15. هل يمكن للفرد أن يستفيد من كلّ ما تقدّمه الحضارة ليكون كاملا؟

ECRITS
0

حسن الولهازي (تونس)

هل يمكن للفرد أن يستفيد من كلّ ما تقدّمه الحضارة ليكون كاملا؟

ما هي الخدمات التي تقدّمها الحضارة؟ وهل تقدّمها للفرد أم للإنسانية؟ لا شك أن الحضارة تقدّم خدمات متنوّعة صحيّة وإجتماعية وتربوية…وسيقتصر حديثنا على  الجانب التربوي الإعلامي . فلو وقفنا عند الجانب التربوي الإعلامي، لأكتشفنا قيمة ما يُقدّم، حتّى أن الفرد يجد نفسه مشدودا لتلك الخدمات لاهثا وراء إشباع نهمه من المعرفة.
فالمكتبات تزخر بكتب هي أثمن من الكنوز.والصحف والمجلاّت سواء كانت محلية أو أجنبية فيها مقالات هامّة تستحق أن نطّلع عليها. وتعمل الإذاعات على شدّ المستمع إليها ويستحيل على شخص يتقن ثلاث لغات أن لا يجد ما يستحقّ الإستماع إليه. وما تقوم به الإذاعة تجاه مستمعيها، تقوم به التلفزة تجاه مشاهديها. أما من كان مشتركا في الأنترنت فلا شكّ أنه سيجد لكلّ أسئلته، كمّا هائلا من الأجوبة المفيدة. إلى جانب كلّ ذلك، هناك دور سينما ومسارح ومهرجانات.
نستنتج من هنا أن الحضارة تدفع الفرد للمعرفة والإطلاع وتوفّر له سبيل ذلك، حتّى أن المعرفة  تصبح واجبا. من ذلك أن أيّ شخص لا يعذر بجهله للقانون، كما أن الصحف والإذاعات تبثّ بلاغات وإستدعاءات شخصية ومن فاته الإطلاع على ذلك يلحقه الضرر. إلى جانب واجب الإطلاع، تضعنا الحضارة أمام واجبات أخرى. فكلّ  شخص مطالب بالمحافظة على جسمه  بالرياضة وكذلك مطالب بإتباع توصيات علم التغذية في غذائه. وعليه أن يكون إجتماعيا، فيشارك في المنظّمات والجمعيات ويختلف للنوادي. والأهمّ من كلّ ذلك عليه أن يكون كُفْءًا في مهنته حتّى يساهم في تطوير الحضارة. وإن كان الفرد أبا أو أمّا، فعليه أن يحسن تربية أبنائه وكذلك يخدم أفراد أسرته.
إلى جانب هذه الواجبات الحضارية، هناك ضرورات حياتية يقوم بها الفرد تجاه نفسه تتعلّق بالغذاء والكساء والمأوى....
2) لو نظرنا الآن للفرد في حضارة بتلك المواصفات المذكورة لأشفقنا عليه. فالواجبات الحضارية والحياتية ضرورية  ومفيدة ولكن يستحيل على الفرد أن يقوم بها كلّها. فكيف لشخص آمن بواجب المطالعة والمعرفة أن يكون في نفس الوقت رياضيا بارعا؟ وكيف لشخص يدفعه واجبه الإجتماعي للمشاركة في منظّمات إجتماعية وسيّاسية أن يجد وقتا كافيا وبَالاً مرتاحا لمساعدة أبنائه في الدراسة؟ وكيف لشخص فضّل أن يستفيد من برنامج تلفزي يبثّ في أواخر الليل، أن يقوم لعمله نشطا في الصّباح؟
نستنتج من هنا أن الفرد متى فهم أن الخدمات التي تقدّمها الحضارة موجهة له هو بالذات أو موجّهة للفرد ومتى رام القيام بكلّ واجباته الحضارية  كانت الكارثة بالنسبة له. إنّ الضرورات عديدة ولكن قدرة الفرد محدودة يستحيل عليه الإضطلاع بها جميعا. كلّ فرد يقدّس جميع الواجبات في حضارتنا لا بدّ أن ينتهي إلى الإنهاك.
3) و في الحقيقة فإن الخطأ ليس في الحضارة وإنّما في الفرد. فالفرد الذي يسعى للإستفادة من كلّ شيء ويسعى للقيام بكلّ  بواجباته هو شخص أساء الفهم والتقدير. لم يفهم أن الحضارة كلّها ليست موجّهة له هو بل موجّهة للإنسانية. فالحضارة في خدمة الإنسانية وكلّ فرد يغنم على قدر طاقته ومثال بسيط  يكفي ليوضّّح ذلك: فالإذاعة التي تبثّ برامجها بدون إنقطاع، لا شكّ أن إدارتها تعرف أنّه يستحيل على شخص واحد أن يتابع كلّ برامجها ولا ينام. فبثّ الإذاعة المستمرّ مبني على أساس أنّ الإستماع للإذاعة حاصل دائما لكن ليس مع نفس الأشخاص.
نستنتج من هنا أن الحضارة موجّهة للإنسانية ككلّ وليس لفرد معيّن. كما أن الواجبات الحضارية لا يضطلع بها فرد معيّن أيضا بل كلّ الإنسانية. وعلى هذا الأساس نجد من يبالغ في التزوّد بالمعرفة ومن يبالغ في الإعتناء بصحّته ومن يبالغ في الإعتناء بأبنائه وهناك من يبالغ في الإعتناء بمهنته. ولكن يستحيل على فرد واحد أن يمثّل الإنسانية أو يضطلع بما هو موزّع بينها. لذلك عندما تجد شخصا ممتازا في القيام بواجب فتأكّد أنّه فاشل في واجبات أخرى. لذلك لا يمكن أن يكون الفرد كاملا أبدا.
ماذا يتوجّب على الفرد القيام به وقد عرف أن الحضارة لها بعد إنساني؟
أوّلا عليه أن يكفّ عن الإعتقاد أن هناك شخصية نموذجية في الواقع. فلو لم يكن هناك إختلاف بين الشخصيات لما كانت هناك حضارة. فلو لا وجود شخص على الأقلّ يجلس إلى مكتبه يطالع ويحرّر لما وجد أدب ولكن الضريبة التي يدفعها المسكين هي ضعف النظر والجسم المتهرّل وأمراض تنهش جسمه...ولو لم يضحّ بعض الآباء بمستقبلهم في سبيل نجاح أبنائهم لما كانت هناك أجيال صالحة. إذا على الإنسان أن لا يتأسّف إن لم يكن له هو كلّ شيء، فالحضارة ليست كلّها موجّهة له. ولكن الشيء الهامّ هو أن على الفرد أن يدرك أن ما يختاره، يختاره لنفسه لا للإنسان. يقول جون بول سارتر " ما أختاره لنفسي أختاره للإنسان" وهو يقصد أن الفرد عليه أن يتحلى بصفات مثالية تجعل منه قدوة للإحتذاء أي عليه أن يطرح نفسه أمام الغير على أنّه نموذج الإنسان. الحقيقة أن هذه الفكرة يصعب قبولها. فكلّ واحد منّا يعي بينه وبين نفسه بنقائصه ويدرك في أعماق نفسه أنه لا يمكن أن يكون نموذجا وأنّه ليس راض عن نفسه وأنّه مازال أمامه الكثير ممّا يتوجّب عليه القيام به. إذا ما إختاره أختاره لنفسي وليست لي أية مصلحة في أن أغالط  غيري. ولكن إن كنت أنا لست نموذجا فلا يعني ذلك أن الغير نموذج لي. وضعيتنا كوضعية العدّائين في العدو الريفي. فلا يمكن أن نجزم أنّ أحدا منهم أفضل من الجميع طالما لم يبلغ عدّاء منهم خطّ الوصول. إذا في غياب نموذج الإتباع لا بدّ أن نقرّ بضرورة الإختلاف ولا نسعى لنوحّد الأفراد أو نقدّم أنفسنا على أنّها نماذج. والواقع أن الشخص الذي يقدّم نفسه كنموذج للإحتذاء يتصرّف تصرّفا يستبطن ميلا للهيمنة والغرور. كلّ شخصية هي حلّ فردي لما يجب أن يكون.
                                  حسن الولهازي                     
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top