10. الضياع

ECRITS
0
                                                                           

 حسن الولهازي (تونس)

الضـــياع

     كان قرار بيع الأغنام الذي اتخذه والدي بمثابة الكارثة بالنسبة لي. رجوته أن يعدل عن قراره وألححت في الرجاء ولكن كان كلّما إزددت إلحاحا إزداد تعنّتا. فمع هذا القطيع من الأغنام الذي ينوي والدي بيعه قضيت أجمل فترات حياتي. لازمني ولازمته أكثر من ملازمتي للبشر. فأنا أعرف شياهي وأتفقدها لا بالعدّ بل بتذكّر كلّ فرد منها. كلّ شاة تختلف عن الأخرى، وكلّ كبش أو خروف يختلف عن الآخر. وكم كان يلذّ لي أن أطلق على كلّ شاة أو خروف إسما أبتكره من عندي حتّى يخالني من يسمع حديثي عن القطيع، أننّي أتحدث عن أناس لا أغنام. كان القطيع يعدّ سبعة رؤوس لمّا توليّت رعايته، أما الآن فهو يعدّ ستين رأسا. كان والدي راضيا تمام الرضا على المجهود الذي أبذله. وكان يردّد دائما أنّني طالع خير على القطيع وأن المهمّة الرّعي ، هي المهمّة التي خلقت من أجلها. والواقع أنني دفعت لهذه المهمّة دفعا. فقبل رعاية الأغنام كنت تلميذا بالمدرسة، ولكن فجأة وبدون سابق إعلام، قرّر والدي انقطاعي عن الدراسة من أجل رعاية الأغنام نظرا لإرتفاع أجرة الرّاعي كما قال وكذلك لأنّه لا يطمئنّ إلى الرّعاة ولا يثق فيهم. وكم توسّلت إليه أن يعدل عن قراره ولكن دون جدوى. ولمّا إفتقدني المعلّم وسأل عني زملاء الدراسة، أخبروه بما حصل، فأحزنه قرار والدي –خاصّة وأنني كنت من نجباء التلاميذ- فما كان منه إلاّ أن تدخّل لفائدتي يرجو والدي أن يعيدني إلى المدرسة وذلك عن طريق رسائل شفوية كان يرسل بها إليه مع أخي الصغير الذي كان هو أيضا تلميذا، ولكن باءت محاولات المعلّم الجليل بالفشل. ولم يكتف والدي بالرفض، فقد ذهب إلى المعلّم ووبّخه بدعوى أنّه يحرّض الأبناء على عصيان والديهم. وكنت أنتظر من أمّي أن تقف إلى جانبي ولكنها إختارت الصّمت ولمّا ألححت عليها في مفاتحة أبي في الأمر، إدعت أن والدي يرفض الإعتراض على قراراته. بتواطؤ أمّي مع أبي فقدت الأمل في العودة إلى الدراسة وإستسلمت للقدر المحتوم. واليوم وبعد أن تكوّنت بيني وبين هذا القطيع علاقة حميمية يريد والدي أن يبيع هذا القطيع. لقد حرمني والدي من الدراسة وها هو اليوم يحرمني من شياهي. إنّ الألفة  التي تربطني بها غريبة عن والدي. لقد كنت أحنو على شياهي كما تحنو العصفورة على فراخها وما كان يحلو لي الأكل وهي جائعة.
وحدّد أبي اليوم الذي سيحمل فيه القطيع إلى السوق. ومرّت الأيّام ثقيلة كما هو الحال عند إنتظار أمر خطير. وكنت خلال تلك الأيّام أنظر إلى أغنامي وأدقق النظر فيها وفي أثناء ذلك أتساءل بيني وبين نفسي عن مصير هذا القطيع. وتجول في نفسي خواطر قاتمة. فالقطيع سيفرّق على عدّة مناطق،وسوف يفصل بين التوائم. ولمّا أفكّر في أن بعض هذه الشياه سيذبح وأن السكين سيغوص في رقبتها حتى يسيل دمها، يقشعرّ جسمي وأغمض عيني. كنت أنظر لشياهي بعين الرأفة فهي عناصر من الأسرة الموسّعة. وتجول الخواطر الحزينة في ذهني وأتساءل ترى هل سيدرك الشاري القيمة التي تحملها هذه الشياه. فهي تحمل تاريخي ومعاناتي. لقد تقاسمنا نفس الأيّام على إمتداد سنين عديدة. كانت الشمس تبزغ علينا معا، وتغرب علينا معا أيضا. فهي الوحيدة الشاهدة على المعاناة التي لاقيتها تجاه عواصف الشتاء وهي الوحيدة التي تعرف هدوئي أمام تقلّبات طقس الخريف وتحمّلي لحرارة الصيف وأنّ تلك الأسمال البالية التي أرتديها لا تمنع حرارة ولا ترد بردا. أعوام بحالها تكاد تلغي ما بين الإنسان والحيوان من فوارق.
إستيقظت في اليوم الموعود، وجدت الزريبة فارغة. وعلمت من أمي أن أبي إكترى شاحنة وحمل فيها القطيع في الصباح الباكر. دخلت الزريبة، كان المكان موحشا. أسندت ظهري إلى الجدار وحدّقت في الأفق البعيد وفجأة إغرورقت عيناي بالدموع ولم أعد أرى شيئا ورحت أنتحب بصوت خافت.
                        
                                        
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top