إشكالية
العلاقة بين العمل والغاية منه
الرّغبات نوعان إمّا تتمحور حول المشاعر
(كالرغبة في السعادة والارتياح والنجاح...) أو تتمحور حول امتلاك أشياء مادّية
(كالرغبة في امتلاك سيّارة فخمة أو قصرا جميلا...) ولتحقيق هذا النوع من الرّغبات
أو ذاك، لا بدّ من عمل ما، هو بمثابة الوسيلة فمن جدّ وجد ومن زرع حصد كما يقال،
رغم أن ذلك ليس صحيحا دائما. والسؤال الذي أودّ طرحه هو: ما هي علاقة هذا العمل
(الوسيلة) بما هو مرغوب تحقيقه (الغاية) وبتعبير آخر كيف يحقّق العمل الغاية
المرجوّة منه؟
يبدو أن هناك ثلاثة أساليب تربط بين العمل والغاية.
1)الأسلوب المباشر: هناك أمور نحقّقها مباشرة كتناول قلم، نشّ ذبابة، التقاط قطعة نقدية...
وإذا كان العمل يستغرقا وقتا، يتناسب التدرّج في تحقيق النتيجة مع التدرّج في
العمل مثال ذلك قطع شجرة بالمنشار. فتكون الشجرة مقطوعة بعد أن يقطع المنشار جذعها.
ونقول عن زيتونة أنّه وقع جنيها بعد أن نأخذ كلّ حبّاتها. ونقول عن طالب أنّه نجح
في دراسته بعد أن يكون قد أتمّ تعليمه.
2)الأسلوب الغير مباشر: هناك غايات لا تحقّق مباشرة مع العمل. وإنّما نحصل عليها بالقيام بعمل ما
وذلك العمل هو الذي يولّد ما من شأنه أن يخلق تلك الغاية. مثال:شخص يريد أن تزور
العصافير منزله لتحوّل إلى حديقة غنّاء، عليه أن يغرس الأشجار في بستانه. في هذا
الأسلوب هناك برمجة وعمل وانتظار. ولذلك كان هذا الأسلوب يعتمد على الذكاء
والحيلة. ولذلك يطغى استخدامه عند الإنسان ونادرا ما نجده عند الحيوان. يستخدم هذا
الأسلوب في النفع كم يستخدم في الضرر. يمكن أن نربّي الابن أو التلميذ باستغلال
الرّغبات المحبّبة لديه. ويقوم البعض بأنشطة رياضية باستمرار حتّى لا تصيب جسمه
الأمراض. أما استخدام هذا الأسلوب في الضرر فحدّث ولا حرج. فالكذب والوشاية
والنميمة لتحقيق أهداف دنيئة، لا تكاد تخلو منها العائلات والمؤسسات والمجتمعات.
فهذا شابّ متسكّع يصوّر نفسه لمن سلبت لبّه على أنه متخرّج من أعظم الجامعات وأن
وكالة الناسا الأمريكية تلهث لتوظيفه ولكن العرض لم يعجبه. وهذا حارس عمارة ومن
أجل التقرّب للسلطة تحوّل إلى واش. حارس في الظاهر ومخبر في الخفاء. وهذا موظّف
يكيل المديح للمدير لأنّه لم يتحصّل على ترقية منذ سنوات. ولا يستخدم هذا الأسلوب
الدنيء بين الأفراد فقط بل حتّى بين المجتمعات والدوّل. فممّا تذكر كتب التاريخ
أنّ المستعمر الفرنسي استخدم سياسة "فَرَّقْ تَسُدْ" في دوّل شمال
أفريقيا التي استعمرها. وهذه السياسة –أكرمك الله- تتمثّل في بثّ الشقاق والنفاق
ومساوئ الأخلاق بين القبائل والجهات حتّى يتحوّل الصراع بين الاستعمار وبين
السكّان المحلّيين إلى ما بين السكّان المحلّيين أنفسهم. أمّا في عصرنا الحاضر
فليس من المستبعد أن يكون ظهور تلك العصابة المسمّاة "داعش" مظهرا من
تلك السياسة المُقرفة لبعض الدوّل المعادية للعرب والمسلمين.
أسلوب إحداث الشيء بإلغاء نقيضه: الأسلوب الثالث هو أسلوب غريب بالفعل.
من غرائب الأمور في هذه الدنيا أن هناك أشياء يمكن أن نقول أنّها تحدث بطريقة غير
مباشرة ومع ذلك لها خصوصية. من هذه الأشياء الصمت والظلام. نستطيع أن نحدث الضجيج
لكن لا نستطيع أن نحدث الصمت في حدّ ذاته بمعزل عن الضجيج. ثمّ كيف نحدث الصمت وهو
انعدام للحركة؟ إذا أردنا الصمت وجب أن نتوقّف عن إحداث الضجيج. فانعدام إحداث
الضجيج هو إحداث للصمت. فالصمت لا يوجد بالعمل ولكن يوجد بانعدام عمل آخر. ونفس
الشيء مع الظلام. فالظلام لا نوجده في حدّ ذاته (أي مع ترك النور) ولكن نوجده
بإطفاء النور. إن طريقة إحداث هذه الأشياء تطرح عدّة أسئلة حول طبيعتها الواقعية.
فهل هذه الأشياء لها وجود فعلي أيضا كبقية الموجودات. فنتحدّث عن الصمت مثلا كما
نتحدّث عن الضجيج؟ أم أنّ هذه الظاهرة (الصمت) لا وجود لها إلا في اللغة ويكون
الأفضل عندئذ أن نتحدث عن انعدام ضجيج، باعتبار أن الضجيج يمكن أن يوجد أو ينعدم
أمّا الصمت فهو مجرّد كلمة يجب استبدالها بالتعبير "انعدام الضجيج" طالما
أن الإنسان يجب أن يتحدّث عمّا يمكن إيجاده أو إلغاؤه. وما قلناه عن الصمت نقوله
عن الظلام والألفاظ المشابهة.