حسن الولهازي (تونس)
الإرادة والذهن
عندما
يريد الإنسان أمرا ما، فهو ضمنيا يرغب في تحقيقه أي أن الإنسان لا يريد لمجرّد أن
يريد. وهكذا تبدو الإرادة مرتبطة بالعمل. لكن هل نقول إن الإنسان يريد بكلّ حرّية وبدون أخذ بعين الإعتبار مستلزمات
الواقع ثمّ يعمل على
تحقيق ما يريد أم أنّه أثناء الإرادة يأخذ بعين الإعتيار ما هو ممكن وما هو مستحيل؟
وبتعبير آخر هل تفهم الإرادة في بعدها النفسي فقط أم أن شرط حصول الإرادة هو تحقيق المراد أي أنّنا لا نقول عن
شخص إنّّه أراد فعلا إلاّ
إذا حقّق ما أراد؟
إذا نظرنا في الفعل الإرادي في حدّ ذاته ثمّ ركّزنا في هذا النطر على ذواتنا كذوات مريدة بقطع النطر عمّا نريد، يمكن أن نعي بإرادتنا إرادة لامتناهية، فيمكن لي في لحظة قصيرة جدّا أن أريد آلاف الأشياء. ولقد فهم ديكارت الإرادة في هذا المعنى، أي في بعدها النفسي لذلك إعتبرها لامتناهية. يقول ديكارت"je ne puis pas aussi me plaindre que Dieu ne m’a donné un libre arbitre ou une volonté assez ample et parfaite puisqu’en effet je l’expérimente si vague et si étendue qu’elle n’est renfermée dans aucune bornes."(1). إن الإرادة الإنسانية في نظر ديكارت هي قدرة على الرفض والقبول. ولأنّ ديكارت يفهم الإرادة في بعدها الرّوحي فقط يعتبرها إرادة لامتناهية وسواء كان ما طلبته ممكنا أو مستحيلا فإنّه لا ينقص شيئا من إرادتي اللامتناهية. إن طبيعة المراد لا تؤثر على طبيعة الإرادة لأنّ الإرادة هي التي تحدّد المراد. إن الإرادة الإنسانية لأنّها إرادة لامتناهية تماثل الإرادة الإلهية. فالإنسان والإله يشتركان في جملة من الخصائص ولكنّها ناقصة عند الإنسان وكاملة عند الإله. الخاصيّة الوحيدة التي يتساوى فيها الإله والإنسان هي الإرادة.
إن الإرادة بهذا التحديد تسمو بنا وتقرّبنا من المقدّس ولكن ألا تكون هذه الإرادة اللامتناهية سببا في وقوع الإنسان في الخطإ متى طلب المستحيل أو ما يضرّه؟ أليس لأنّها لامتناهية ولاتكلّف الإنسان مجهودا لا يتوقّف الإنسان عن طلب أمور يكتشف في ما بعد أنّه أخطأ في طلبها؟ لا ينكر ديكارت أن هذه الإرادة اللامتناهية هي سبب من الأسباب التي توقع الإنسان في الخطإ ولكن ليست هي السبب الوحيد. إن الخطأ في الأحكام لا يتأتّى من الإرادة فقط، ولا من الذهن فقط وإنّما من العلاقة بين لانهائية الإرادة ومحدودية الذهن. فالذهن هو الذي يقدّم لنا تمثّلات وأفكار والإرادة هي التي تثبت أو تنفي. يميّز ديكارت بين رؤيتنا لكلب يجري والحكم على أنّنا نراه. المشكلة أن الإرادة تثبت أحيانا فكرة قبل أن يوضّحها الذهن جيّدا. مثال: قد أرغب في أكل تفاحة لمجرّد الإعجاب بلونها ورائحتها وقد أكون بأكلها قد إرتكبت خطأ إذا ظهرت مسمومة. واضح من هنا أن نظرية ديكارت في الحكم هي نظرية إرادية أي الحكم فيها للإرادة. وممّا تجدر الإشارة إليه هو أن ديكارت لا يقول إن الإرادة الإنسانية تريد الخطا أو الشرّ، فهي في الأصل إرادة خير ولكن يمكن أن نقع في الخطإ بسبب الجهل. فهي تتجاوز الخير للشرّ وهي تعتقد أنّه خير.
فما هي أبعاد لانهائية الإرادة عند ديكارت وماهي حقيقة هذا الفصل بين الإرادة والذهن؟
أن تكون الإرادة لامتناهية معناه أنّها مهيّأة للخطأ إذ كيف نطلب منها أن تقف عند حدود الذهن وهي لامتناهية؟ فأن تقف عند حدود الذهن معناه أن تتنكّر لنفسها كإرادة لامحدودة. يبدو أن ديكارت كان يظنّ أنّه رفع من قيمة الإرادة لأنّنا بها نشترك مع الإله في خاصّية من خاصيّاته. والواقع أن ديكارت قد حطّ من قيمة الإرادة منذ أن إعتبرها لامتناهية. فبسبب لاتناهيها يقع الإنسان في الخطأ. إن الإرادة اللامتناهية يلزمها ذهن لامتناهي (مثل الذهن الإلهي). كما أن الذهن المحدود تلزمه إرادة محدودة. أمّا أن تكون الإرادة لامتناهية والذهن محدود فتلك مصيبة.
يعتبر ديكارت أن الإرادة تخطئ لأنّها لا تقف عند حدود الذهن وكأنّه يظنّ أن إلتزام الإرادة بهذه الحدود ممكن ولكنّها في نظره لا تلتزم بذلك لعيب فيها. والواقع أن الإرادة لا تلتزم بذلك لأنّها بكلّ بساطة لا يمكن أن تلتزم بذلك، لأنّها إرادة لامتناهية. وهكذا يكون أوّل خطإ للإرادة ليس في أنها تطلب ما يضرّ الإنسان ولكن في أنها تميل بطبعها لتجاوز الذهن.
إذا إعتبرنا الإرادة الإنسانية إرادة لامتناهية فكيف ننظر إليها بعد ذلك على أنّها إرادة خير بالذات؟. أن تكون الإرادة لامتناهية لا يعني بالضرورة أن تطلب ماهو لامتناهي من الخير، وكأنّ الإرادة تقفز من خير إلى خير بلا نهاية. إن لاتناهي الإرادة يمكن فهمه على أساس أنّه تردّد بين الخير والشرّ بصفة لانهائية وهكذا لا نربط الإرادة بتعدّد الخيرات ولكن بتنوّع المطلوبات وبالتالي تكون الإرادة هي إرادة خير وإرادة شرّ على حدّ سواء. والواقع يثبت ذلك. فغير صحيح أن الإنسان إذا عرف الخير ذهب إليه وإذا عرف الشرّ إبتعد عنه. ديكارت نفسه يعترف بذلك إذ يقول " il nous est toujours possible de nous retenir de poursuivre un bien clairement connu ou d’admettre une vérité évidente, pourvu que nous pensions que c’est un bien d’affirmer par là notre libre arbitre »(2) يتبيّن لنا من خلال هذه القولة أن رغبة الإنسان في إثبات حرّيته قد تقوده حتّى إلى الإبتعاد عن الخير وكذلك إلى عدم التسليم بحقائق بيّنة.
نستخلص من هذا النقد أن الإرادة عند ديكارت يمكن أن تكون إرادة جامحة وعمياء ومع ذلك يريد منها ديكارت أن تلتفت إلى الذهن لتستمع لتوجيهاته. ونظرا لأنّها لا تمتثل لأوامره أو لأنّها تطلب المجهول يسمّى ديكارت ذلك خطأ الإرادة. ولكن الواقع أن الإرادة مفروض عليها عدم الإستماع والخطأ. هناك علّة تعبث بالإرادة. فديكارت عوض أن يحمي الإرادة بالذهن –كما فعل أرسطو سابقا وكما سيفعل كانط لاحقا- فصل بينهما. ولأنّه فصل بينهما كانت هناك علّة سيطرت على الإرادة وفرضت ليها تنفيذ أوامرها. فما هي هذه العلّة؟ هذه العلّة هي الرّغبات les désirs والإنفعالات les passions. كان على ديكارت أن يفرّق بين الإرادة والرّغبة. ولو فعل ذلك لما أخطأت الإرادة ولكانت إرادة خير. فبتخلّصها من الرّغبات ترتبط بالذهن مباشرة.
لقد تفطّن أرسطو سابقا لهذا الفرق في إنقاذ الإرادة. يقول أرسطو:"qui n’est pas maître de soi, est capable de désirer non d’agir par libre choix, en revanche qui est maître de soi agit par choix délibéré et non sous l’impulsion du désir »(3) يفرّق أرسطو بين الرّغبة والإرادة. هناك إرادة حرّة ترفع من شأن صاحبها وهناك رغبات تستعبد صاحبها. إن الإرادة عند أرسطو لا تفهم إلاّ إيجابيا، فإن أخطأ الإنسان في ما طلب فذلك يحمل على الرغبة لا على الإرادة. ولأنّ ديكارت لا يفرّق بين الرغبة والإرادة يتحدّث عن خطإ الإرادة. إن الشخص الذي يتصرّف بفعل الرّغبة هو في نظر أرسطو ليس سيّد نفسه. وأن يكون الإنسان ليس سيّد نفسه معناه أن كلّ ما يأتيه ليس هو بالضرورة إراديّا. إن الإرادة الحرّة لا تكون إلاّ للعاقل الذي تعلّم كيف يميّز بين ميوله الرّاجعة إلى الرغبة وميوله الرّاجعة للعقل. وممّا يؤكّد أن أرسطو يجمع ببن الإرادة والنضج من جهة والرغبة والجهل من حهة أخرى قوله "on peut regarder comme involontaires toutes les choses qui se font ou par force majeure ou par ignorance (4).. فالجهل عند أرسطو سبب لغياب الإرادة بينما عند ديكارت سبب لخطإ الإرادة. فإن كان الجاهل عند ديكارت يريد عن غير قصد فهو عند أرسطو لا يريد أصلا، لا إرادة مع الجهل والرغبة. وتبعا لما يراه أرسطو فليس كلّ ما يطلبه الإنسان هو يريده حقّا فهو لا يخضع فقط لقوّى خارجية بل يخضع كذلك لقوّى داخلية ذات بعد نفسي. مع أرسطو يمكن أن نقول: أن نريد حقيقة هو أن لا نريد ما نرغب فيه (الشهوات) وأن نريد ما لا نرغب فيه (الواجبات). يقول رونفيه"vouloir vraiment, c’est vouloir ce qu’ont ne veut pas". بهذا القول يفرّق رونفيه بين إرادة حقيقيّة وإرادة غير حقيقيّة، أي يفرّق بين إرادة رشيدة وإرادة هي عبارة عن رغبات وميول.بينما ديكارت لا يفرّق بينهما ويتحدّث إجمالا عن خطإ الإرادة. في حين أن الإرادة التي تخطئ ليست إرادة حقيقيّة عند رونفيه وأرسطو بل ليست حتّى إرادة.
حتّى تكون هذه الإرادة الحقيقيّة، إرادة خير بالفعل لا يكفي تنزيهها والتمييز بينها وبين الرّغية، إذ لا بدّ من ترشيدها والتأسيس لها. فما هو هذا الأساس الذي يحدّد الإرادة الصالحة التي تريد الواجب وتبتعد عن الرّغبات والأهواء؟
هذا الأساس هو العقل في نظر كانط. فالعقل هو الذي يحدّد الإرادة أي إرادة الفعل في جميع الظروف طبقا لقوانين العقل. تحديد العقل للإرادة معناه ترشيدها. وكأنّ كانط أدرك أنّ علّة خطأ الإرادة هي كونها لا متناهية. لذلك يمكن القول إنّه تجاوز الفهم الديكارتي للإرادة وحقّق ما دعا إليه أرسطو أي "تعقيل الإرادة". وعندما تحدّد الإرادة بالعقل تكون إرادة طيّبةune bonne volonté ، إرادة لا تطلب غير تطبيق القوانين لذاتها. فهي لا تطلب الغاية النفعية أو السعادة الذّاتية ولا تقوم بذلك بدافع الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب. من هنا كانت إرادة مستقلّة. وقد نتساءل كيف تكون الإرادة مستقلّة والحال أنّها محدّدة بالقوانين ومن وراء ذلك بالعقل؟ إن الإستقلال المقصود هنا ليس الإستقلال عن العقل، ولكن الإستقلال عمّا هو خارج العقل. فهي لا تخضع للإله أو الدولة أو المجتمع. وعلى هذا الأساس فالعقل ومن وراء ذلك الإنسان هو المشرّع الأخلاقي. فالحرّية والإرادة لا تتناقضان مع القانون، بما أن القانون هو من صنع الإنسان. من هنا نستخلص خاصّيتين للإرادة: فهي مستقلّة عن كلّ سلطة خارجية وهي أيضا إرادة الفعل بالواجب. وإرادة الفعل بالواجب agir par devoir تختلف عن إرادة الفعل طبقا للواجبagir conformément au devoir، لأنّ أفعالنا يمكن أن تكون طبقا للواجب ولكنّها تحت ضغط خارجي، أو طبقا لميولات حينيّة: وهذه الأفعال ليست أخلاقية. من هنا يجب أن ننظر للإرادة على أنّها في صراع مع الحاجات الغريزية. ولكن كيف لا نجد مؤثرات خارجية تحدّد الإرادة طالما أنّها إرادة فعل؟
إن الإرادة تصبّ فعلا في التجربة، ولكن تظلّ الإرادة سببا للتجربة. كان يمكن أن يكون للتجربة تأثير لو كان الدّافع للفعل هو تحقيق غايات حسّية، أمّا والحال أن العقل هو الذي يحدّد الإرادة فإن التجربة تصبح توفّر لما هو قبلي، لما هو معقول مناسبة الظهور. إنّنا لا نستمدّ من التجرية مبادئ ولكن نذهب إليها بمبادئ. وهكذا فتحديد العقل للإرادة ليس ذاتيّا فهو تحديد كلّي وضروريّ وقبليّ، من هنا كانت أوامره لا ترتبط بما هو ذاتي أو نفعي أو شخصي.
إن النقد الذي وُجّه لكانط هو أنّه يتشدّد في تحديد ما هو أخلاقي فلا يكفي أن يتّبع الإنسان الواجب بل يجب أن يريده لذاته. وكأنّ كانط لا يريد فقط أن يتحكّم في السلوك بل يريد أيضا أن يتحكّم في النوايا. فإن كان ديكارت قد أخذ بعين الإعتبار جانب المصلحة ولم يهتم بتثقيف الإرادة فأبعدها عن الذهن، فإن كانط قد ربطها بالعقل ولكنّه أهمل المصلحة الشخصيّة. وإن أطلق ديكات العنان للإرادة فأخطأت، فإن كانط قد قيّدها فتحجّرت. يشعر الفرد تجاه نظرية كانط أن إرادته قد أُفتكّت منه، فإرادته هي إرادة كلّ إنسان طالما أنّها إرادة العقل.
يرى البعض أن نظرية كانط في الأخلاق هي نظرية إنسانية لأنّ الإنسان في نظره لا يخضع لسلطة خارجية وإنّما يخضع لنفسه لأنّه يخضع لعقله. الواقع أن هذا الحكم في حاجة للنّقاش، إذ كيف نتحدّث عن ضرورة تقويم الإرادة وتوجيهها بل إخضاعها، ومن جهة أخرى نتحدّث عن نزعة إنسانية.
يبدو العقل في بعض الفلسفات المثالية سلطة مُخْضِعَةً. لقد نصّبت الفلسفات المثالية الحديثة وخاصّة مع ديكارت وليبنيتس وكانط وهيغل... العقل إلها جديدا بعد نقد الأديان. فالإله والعقل هما صوت الواجب لذلك يمكن إعتبار المثالية في هذا المعنى البديل عن الدين.
فأيّ عيب في دعوة كانط إلى إخضاع الإرادة للعقل؟ أليس ذلك معناه إخضاع الإنسان لنفسه؟ كان يمكن قول ذلك لو كان الإنسان عقلا خالصا. إن الإنسان وحدة متناقضة، فهو ممزّق بين صوت الألوهية فيه وصوت الحيوانية فيه، بين ماهو إجتماعي وماهو غريزي. أو بتعبير آخر ممزّق بين صوت الأنا الأعلى وصوت الهو حسب تعبير فرويد. فكيف يمكن تجاوز مشكل تقنين الإرادة وفي نفس الوقت إعطاء قيمة للجانب اللاعقلي في الإنسان؟
يبدو أن الحلّ يتمثّل في الإتجاه المعاكس. فعوض إخضاع الإرادة للعقل لماذا لا نخضع العقل للإرادة؟ عندما يتّبع الإنسان إرادته، يكون صادقا مع نفسه. ولكن ألا نعود بهذا الشكل إلى الخطر الذي أشار إليه ديكارت والمتمثّل في الخطإ والضياع؟ الواقع أن خطا الإرادة الذي أشار إليه ديكارت ليس إلاّ حكم ذهن متشبّع بالأخلاق. إن الإنسان لا يتحرّج من إرادته بإرادته ولكن بفعل معارضة غريبة عن إرادته قد تكون الضمير أو الدولة أو الإله. ومع ذلك فالمشكل ليس في هذه السلط وإنّما في تقييم الذهن لها. فالذهن هو الذي ينظر إليها كسلط تحكم الإرادة. فمتى لم تستمع الإرادة لصوت العقل بل تخضعه لها تصبح هي جوهر الإنسان. يبدو إذا أن الحل ّ يتمثّل في إتباع الإرادة الشخصيّة بعيدا عن تسلّط العقل. إذا طالما أنّنا نصّبنا الإرادة جوهرا وسلطة مشرّعة فلا بدّ أن يكون لها محور تتمحور حوله. إن الإرادة بهذا الشكل لا بدّ أن يكون لها برنامج تسعى لتحقيقه. فما هو الأساس الطبيعي للإرادة؟
يوفّر لنا نيتشه الإجابة عن هذا السؤال. فهو يعتبر أن في الفرد تكمن حاجة نفسيّة طبيعية هي إرادة القوّة. إرادة القوّة هي غريزة تحثّ الإنسان على التوسّع والهيمنة وإثراء الذات والنموّ. من هنا كانت إرادة القوّة هي إرادة الحياة. والحجّة على ذلك أن الإنسان متى تمكّن من القوّة إستخدمها في تحقيق أغراضه. فإن كان عادلا رحيما فهو قد خالف الطبيعة وعبّر عن عدم ثقته بنفسه. والأخلاق السليمة هي جملة التصرّفات التي تلبّي هذه الإرادة، وهي أخلاق الأقوياء التي تعبّر عن القوّة والشجاعة والثقة في النفس وكذلك عن روح إنتصارية. إن الأخلاق التي سار عليها الإنسان في بداية تاريخه هي أخلاق الأقوياء. والحضارات قامت على إستخدام القوّة. فالطبقة الأرستقراطية هي التي وضعت القيم. لكن الأخلاق السائدة لا تتلاءم مع الطبيعة. فقد وقع قلب القيم. ولكن كيف تمّ هذا القلب؟ تمّ بالطريقة التالية: لأنّ الضعفاء لم يقدروا على مجاراة الأقوياء وخوفا من بطشهم، إستنبطوا ما يسمّيه نيتشه بأخلاق الضعفاء وهي الأخلاق التي تدعو إلى اللطف والتعاون والرحمة والعدالة والديمقراطية... وكلّ ذلك من أجل الدفاع عن أنفسهم. أخلاق الضعفاء أو العبيد ناتجة عن الحقد والضغينة التي يكنّها الضعفاء للأقوياء. إن الرّجل المتخلّق في الطبقة الأرستقراطية هو المحارب والمغامر والمسيطر، بينما الرّجل المتخلّق في طبقة العبيد هو المتخلّق والمسالم والمتواضع والمتسامح وهكذا تمّ قلب القيم وتزييف الحقائق، فأصبح الضعف فضيلة والقوّة شرّا والعجز صبرا والصبر مفتاح الفرج. كما شوّهت أخلاق الضعفاء طبيعة الإنسان، فهو في الأصل يولد متحرّرا مقبلا على الحياة بدون عقد لا يعرف الخير والشرّ، ولكن بإكتسابه أخلاق الضعفاء يقع شلّ إستعداده للحياة وذلك بتكبيله بالقواعد الأخلاقية، فينفر من طبيعته تحت الشعور بالدونية والذنب وتصبح حركاته محسوبة. قمة الإنحطاط في نظر نيتشه كامنة في رجال الدين. فالأديان هي نواة أخلاق الضعفاء لأنّها تحاول أن تشدّهم إلى عالم أخروي هو في الحقيقة وهمي وكذلك تسعى لأن تزرع فيهم الشعور بالذنب. كما أن الغرض من فكرة الإله هو أن يظهر الضعفاء للأقوياء أنّهم ليسوا الأقوياء حقيقة وإنّما هناك من هو أقوى منهم وهو قاهر الجبّارين وناصر المستضعفين. هذه الأخلاق عرقلت في نظر نيتشه نموّ الإنسانية. وعلى الرّغم من أنّها إنتصرت وأصبحت هي السائدة فهذا لا يمنع من قلب القيم من جديد حتّى يبرز لنا الأقوياء يقودهم الإنسان الأعلى. وقلب القيم من جديد هو أمر ضروري ومشروع لأنّه يساير إرادة القوّة. فإرادة القوّة هي جوهر الإنسان وليست هي الرّوح. لا يعتبر نيتشه الرّوح كيانا له حاجيّاته ومطالبه، فالرّوح ليست جوهرا. جوهر الإنسان الوحيد والمتحايث مع جسده هو الطبيعة. وهذه الطبيعة لها حاجيّاتها والحاجة الطبيعية الجوهرية هي إرادة القوّة. إن الإنسان بإرادته للقوّة ليس في حاجة لمن يريد مكانه بل في حاجة لوسيلة تحقّق له ما يريد، وكانت هذه الوسيلة هي الرّوح.
لقد إنبنت فلسفة نيتشه على نقد الدين والأخلاق والعقل والحقيقة من جهة وعلى تركيز مفهوم إرادة القوّة والغريزة من جهة أخرى. وإن إقتصر نيتشه على مفهوم الإرادة عند الإنسان فإن شوبنهاور قبله قد عمّم هذا المفهوم وسحبه على كلّ ظواهر العالم. لذلك ألّف كتابا عنوانه "العالم كإرادة وتمثّلا". يرى شوبنهاور أن الإرادة هي المبدأ الذي يسيّر العالم بأسره بما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد. الفرق الوحيد بين الإرادة في الإنسان والإرادة في بقية الكائنات هو أن الإرادة في الإنسان تتبّع أغراضها مستنيرة بالعقل بينما هي في بقية الكائنات تكافح كفاحا أعمى. فليست العلاقة السببيّة بين الظواهر إلاّ الإرادة. فالدفع والجذب والدحرجة والتحليل والتركيب والنموّ... كلّها مظاهر للإرادة. والقوّة التي تجذب العشّاق لبعضهم البعض هي عينها التي تجذب الكواكب لبعضها البعض.
قد يذهب في ظنّ البعض أن موقف شوبنهاور فيه حطّ من قيمة الإنسان لأنّه يخضعه لإرادة كونية. فهل أن الإنسان هو حقّا تحت ضغط هذه الإرادة أم هو متحرّر من قبضتها؟ يرى شوبنهازر أن الناس يعتقدون خطأ أن عقولهم هي التي تسيّرهم والواقع أن العقل بالنسبة للإرادة هو كعبد مبصر يقوده سيّده الأعمى فنحن لا نريد شئيا لأنّنا وجدنا أسبابا تقنعنا به (سيادة العقل على الإرادة) وإنّما لأنّنا نريده نبرّر بالعقل إختيارنا (أولوية الإرادة على العقل). ومن الحجج في هذا الباب أنّك قد تتعب في إقناع شخص بالمنطق ولكن يسهل عليك التأثير فيه إذا أثَرْتَ مصلحته الشخصية. أضف إلى ذلك فإن ما يضعه الفرد من مشاريع جيّدة وذكية، لا قيمة لها إذا لم تكن للفرد إرادة تطبّقها فكم من شخص يقرّر الإنقطاع عن التدخين وهي فكرة جيّدة لكن تظلّ غير مفيدة إذا تصحبها إرادة قوية في التنفيذ. كلّ هذا يبيّن أن شخصية أي فرد تكمن بالأساس في إرادته لا في عقله.
فما هي قيمة ما يدعونا إليه نيتشه وشوبنهاور؟
لو حكمنا على موقف نيتشه بأنّه موقف لاأخلاقي يردّ الحياة الإنسانية إلى الحياة الحيوانية وحكمنا على موقف شوينهاور بأنّه موقف ينسب القيادة لإرادة عمياء لا تفرّق بين العاقل والحيّ والجامد، لو قمنا بذلك لكان نقدنا خارجيا لا قيمة له لأنّنا نصّبنا الذهن حكما على الإرادة وهو ما يرفضه هذان الفيلسوفان. فأي عيب في الإرادة في حدّ ذاتها وكما يدعوان إليها؟
لو نساير فلسفة الإرادة لوجدنا أن الإرادة غير منسجمة مع نفسها، إذ ما معنى أن يريد الإنسان أمرا ثمّ يندم على طلبه؟ كيف يمكن أن نقدّس الإرادة في الإنسان وهي مضطربة؟ فالإرادة عند نيتشه وشوبنهاور هي في نهاية المطاف صوت الغريزة، ولكن الإنسان لا يريد فقط في حدود غرائزه. فالشهيد يضحّي بحياته في سبيل الوطن، يريد أمرا يتناقض مع صوت الغريزة الذي يفرض عليه حبّ البقاء.
يبدو أن موقف شوبنهاور ونيتشه جاء كردّ فعل متطرّف على الفلسفات المثالية السابقة خاصّة مع أفلاطون وديكارت وكانط. وفي هذا الشقّ أو ذاك لا نجد إلاّ نظرة أحادية الجانب للإنسان. فالإتجاه المثالي يرفع من شأن الإنسان معتبرا العقل جوهره، والإتجاه المادّي أو الطبيعي يحطّ من قيمته لدرجة إعتبار أن جوهره الغريزة. لقد سعت الفلسفات المثالية لبناء الإنسان فأخذت الطموح محلّ الواقع وما يجب أن يكون على أنّه كائن. وبإعتبار أن هذا المنهج هو منهج أخلاقي لاموضوعي، ظهرت الفلسفة المادية كفلسفة تشخيصية وصفية تفضح حقيقة الإنسان والمجتمع وتكشف المسكوت عنه حتّى أن مدرسة التحليل النفسي إنبنت على هذه الفلسفات المادية. ويروي فرويد عن نفسه أنّه تأثّر كثيرا بنيتشه. إذا يمكن القول إن لا الإتجاه المادي التشخيصي ولا الإتجاه المثالي الأخلاقي قد تمكّنا من وضع موقف سليم من الإرادة. إن النظرة السليمة للإرادة ليست في إخضاع الإرادة للعقل ولا في إخضاع العقل للإرادة. فما هي النظرة السليمة إذا؟
يبدو أن النظرة السليمة للإرادة هي النظرة التي تأخذ بعين الإعتبار أمرين:
-أن أساس الإرادة غريزي وهو حبّ البقاء. بحيث يُأخذ هذا الميل للبقاء على أنّه محور كلّ الرّغبات.
-سبيل تلبية هذا الميل المحوري يكون بالعقل أي بمراعاة النظم الإجتماعية السائدة مع محاولة إصلاحها إن عرقلت هذا الميل للبقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)Descartes :Les Méditations,partie 4,§9
2)Descartes : Lettre à Mesland le 9.11.1645
3)Aristote : Ethique à Nicomaque, Paris, ed.Flammarion,p70
4)Aristote :Ethique à Nicomaque, coll. Livre de poche , 1992, Livre III ch 1er §3 p106
إذا نظرنا في الفعل الإرادي في حدّ ذاته ثمّ ركّزنا في هذا النطر على ذواتنا كذوات مريدة بقطع النطر عمّا نريد، يمكن أن نعي بإرادتنا إرادة لامتناهية، فيمكن لي في لحظة قصيرة جدّا أن أريد آلاف الأشياء. ولقد فهم ديكارت الإرادة في هذا المعنى، أي في بعدها النفسي لذلك إعتبرها لامتناهية. يقول ديكارت"je ne puis pas aussi me plaindre que Dieu ne m’a donné un libre arbitre ou une volonté assez ample et parfaite puisqu’en effet je l’expérimente si vague et si étendue qu’elle n’est renfermée dans aucune bornes."(1). إن الإرادة الإنسانية في نظر ديكارت هي قدرة على الرفض والقبول. ولأنّ ديكارت يفهم الإرادة في بعدها الرّوحي فقط يعتبرها إرادة لامتناهية وسواء كان ما طلبته ممكنا أو مستحيلا فإنّه لا ينقص شيئا من إرادتي اللامتناهية. إن طبيعة المراد لا تؤثر على طبيعة الإرادة لأنّ الإرادة هي التي تحدّد المراد. إن الإرادة الإنسانية لأنّها إرادة لامتناهية تماثل الإرادة الإلهية. فالإنسان والإله يشتركان في جملة من الخصائص ولكنّها ناقصة عند الإنسان وكاملة عند الإله. الخاصيّة الوحيدة التي يتساوى فيها الإله والإنسان هي الإرادة.
إن الإرادة بهذا التحديد تسمو بنا وتقرّبنا من المقدّس ولكن ألا تكون هذه الإرادة اللامتناهية سببا في وقوع الإنسان في الخطإ متى طلب المستحيل أو ما يضرّه؟ أليس لأنّها لامتناهية ولاتكلّف الإنسان مجهودا لا يتوقّف الإنسان عن طلب أمور يكتشف في ما بعد أنّه أخطأ في طلبها؟ لا ينكر ديكارت أن هذه الإرادة اللامتناهية هي سبب من الأسباب التي توقع الإنسان في الخطإ ولكن ليست هي السبب الوحيد. إن الخطأ في الأحكام لا يتأتّى من الإرادة فقط، ولا من الذهن فقط وإنّما من العلاقة بين لانهائية الإرادة ومحدودية الذهن. فالذهن هو الذي يقدّم لنا تمثّلات وأفكار والإرادة هي التي تثبت أو تنفي. يميّز ديكارت بين رؤيتنا لكلب يجري والحكم على أنّنا نراه. المشكلة أن الإرادة تثبت أحيانا فكرة قبل أن يوضّحها الذهن جيّدا. مثال: قد أرغب في أكل تفاحة لمجرّد الإعجاب بلونها ورائحتها وقد أكون بأكلها قد إرتكبت خطأ إذا ظهرت مسمومة. واضح من هنا أن نظرية ديكارت في الحكم هي نظرية إرادية أي الحكم فيها للإرادة. وممّا تجدر الإشارة إليه هو أن ديكارت لا يقول إن الإرادة الإنسانية تريد الخطا أو الشرّ، فهي في الأصل إرادة خير ولكن يمكن أن نقع في الخطإ بسبب الجهل. فهي تتجاوز الخير للشرّ وهي تعتقد أنّه خير.
فما هي أبعاد لانهائية الإرادة عند ديكارت وماهي حقيقة هذا الفصل بين الإرادة والذهن؟
أن تكون الإرادة لامتناهية معناه أنّها مهيّأة للخطأ إذ كيف نطلب منها أن تقف عند حدود الذهن وهي لامتناهية؟ فأن تقف عند حدود الذهن معناه أن تتنكّر لنفسها كإرادة لامحدودة. يبدو أن ديكارت كان يظنّ أنّه رفع من قيمة الإرادة لأنّنا بها نشترك مع الإله في خاصّية من خاصيّاته. والواقع أن ديكارت قد حطّ من قيمة الإرادة منذ أن إعتبرها لامتناهية. فبسبب لاتناهيها يقع الإنسان في الخطأ. إن الإرادة اللامتناهية يلزمها ذهن لامتناهي (مثل الذهن الإلهي). كما أن الذهن المحدود تلزمه إرادة محدودة. أمّا أن تكون الإرادة لامتناهية والذهن محدود فتلك مصيبة.
يعتبر ديكارت أن الإرادة تخطئ لأنّها لا تقف عند حدود الذهن وكأنّه يظنّ أن إلتزام الإرادة بهذه الحدود ممكن ولكنّها في نظره لا تلتزم بذلك لعيب فيها. والواقع أن الإرادة لا تلتزم بذلك لأنّها بكلّ بساطة لا يمكن أن تلتزم بذلك، لأنّها إرادة لامتناهية. وهكذا يكون أوّل خطإ للإرادة ليس في أنها تطلب ما يضرّ الإنسان ولكن في أنها تميل بطبعها لتجاوز الذهن.
إذا إعتبرنا الإرادة الإنسانية إرادة لامتناهية فكيف ننظر إليها بعد ذلك على أنّها إرادة خير بالذات؟. أن تكون الإرادة لامتناهية لا يعني بالضرورة أن تطلب ماهو لامتناهي من الخير، وكأنّ الإرادة تقفز من خير إلى خير بلا نهاية. إن لاتناهي الإرادة يمكن فهمه على أساس أنّه تردّد بين الخير والشرّ بصفة لانهائية وهكذا لا نربط الإرادة بتعدّد الخيرات ولكن بتنوّع المطلوبات وبالتالي تكون الإرادة هي إرادة خير وإرادة شرّ على حدّ سواء. والواقع يثبت ذلك. فغير صحيح أن الإنسان إذا عرف الخير ذهب إليه وإذا عرف الشرّ إبتعد عنه. ديكارت نفسه يعترف بذلك إذ يقول " il nous est toujours possible de nous retenir de poursuivre un bien clairement connu ou d’admettre une vérité évidente, pourvu que nous pensions que c’est un bien d’affirmer par là notre libre arbitre »(2) يتبيّن لنا من خلال هذه القولة أن رغبة الإنسان في إثبات حرّيته قد تقوده حتّى إلى الإبتعاد عن الخير وكذلك إلى عدم التسليم بحقائق بيّنة.
نستخلص من هذا النقد أن الإرادة عند ديكارت يمكن أن تكون إرادة جامحة وعمياء ومع ذلك يريد منها ديكارت أن تلتفت إلى الذهن لتستمع لتوجيهاته. ونظرا لأنّها لا تمتثل لأوامره أو لأنّها تطلب المجهول يسمّى ديكارت ذلك خطأ الإرادة. ولكن الواقع أن الإرادة مفروض عليها عدم الإستماع والخطأ. هناك علّة تعبث بالإرادة. فديكارت عوض أن يحمي الإرادة بالذهن –كما فعل أرسطو سابقا وكما سيفعل كانط لاحقا- فصل بينهما. ولأنّه فصل بينهما كانت هناك علّة سيطرت على الإرادة وفرضت ليها تنفيذ أوامرها. فما هي هذه العلّة؟ هذه العلّة هي الرّغبات les désirs والإنفعالات les passions. كان على ديكارت أن يفرّق بين الإرادة والرّغبة. ولو فعل ذلك لما أخطأت الإرادة ولكانت إرادة خير. فبتخلّصها من الرّغبات ترتبط بالذهن مباشرة.
لقد تفطّن أرسطو سابقا لهذا الفرق في إنقاذ الإرادة. يقول أرسطو:"qui n’est pas maître de soi, est capable de désirer non d’agir par libre choix, en revanche qui est maître de soi agit par choix délibéré et non sous l’impulsion du désir »(3) يفرّق أرسطو بين الرّغبة والإرادة. هناك إرادة حرّة ترفع من شأن صاحبها وهناك رغبات تستعبد صاحبها. إن الإرادة عند أرسطو لا تفهم إلاّ إيجابيا، فإن أخطأ الإنسان في ما طلب فذلك يحمل على الرغبة لا على الإرادة. ولأنّ ديكارت لا يفرّق بين الرغبة والإرادة يتحدّث عن خطإ الإرادة. إن الشخص الذي يتصرّف بفعل الرّغبة هو في نظر أرسطو ليس سيّد نفسه. وأن يكون الإنسان ليس سيّد نفسه معناه أن كلّ ما يأتيه ليس هو بالضرورة إراديّا. إن الإرادة الحرّة لا تكون إلاّ للعاقل الذي تعلّم كيف يميّز بين ميوله الرّاجعة إلى الرغبة وميوله الرّاجعة للعقل. وممّا يؤكّد أن أرسطو يجمع ببن الإرادة والنضج من جهة والرغبة والجهل من حهة أخرى قوله "on peut regarder comme involontaires toutes les choses qui se font ou par force majeure ou par ignorance (4).. فالجهل عند أرسطو سبب لغياب الإرادة بينما عند ديكارت سبب لخطإ الإرادة. فإن كان الجاهل عند ديكارت يريد عن غير قصد فهو عند أرسطو لا يريد أصلا، لا إرادة مع الجهل والرغبة. وتبعا لما يراه أرسطو فليس كلّ ما يطلبه الإنسان هو يريده حقّا فهو لا يخضع فقط لقوّى خارجية بل يخضع كذلك لقوّى داخلية ذات بعد نفسي. مع أرسطو يمكن أن نقول: أن نريد حقيقة هو أن لا نريد ما نرغب فيه (الشهوات) وأن نريد ما لا نرغب فيه (الواجبات). يقول رونفيه"vouloir vraiment, c’est vouloir ce qu’ont ne veut pas". بهذا القول يفرّق رونفيه بين إرادة حقيقيّة وإرادة غير حقيقيّة، أي يفرّق بين إرادة رشيدة وإرادة هي عبارة عن رغبات وميول.بينما ديكارت لا يفرّق بينهما ويتحدّث إجمالا عن خطإ الإرادة. في حين أن الإرادة التي تخطئ ليست إرادة حقيقيّة عند رونفيه وأرسطو بل ليست حتّى إرادة.
حتّى تكون هذه الإرادة الحقيقيّة، إرادة خير بالفعل لا يكفي تنزيهها والتمييز بينها وبين الرّغية، إذ لا بدّ من ترشيدها والتأسيس لها. فما هو هذا الأساس الذي يحدّد الإرادة الصالحة التي تريد الواجب وتبتعد عن الرّغبات والأهواء؟
هذا الأساس هو العقل في نظر كانط. فالعقل هو الذي يحدّد الإرادة أي إرادة الفعل في جميع الظروف طبقا لقوانين العقل. تحديد العقل للإرادة معناه ترشيدها. وكأنّ كانط أدرك أنّ علّة خطأ الإرادة هي كونها لا متناهية. لذلك يمكن القول إنّه تجاوز الفهم الديكارتي للإرادة وحقّق ما دعا إليه أرسطو أي "تعقيل الإرادة". وعندما تحدّد الإرادة بالعقل تكون إرادة طيّبةune bonne volonté ، إرادة لا تطلب غير تطبيق القوانين لذاتها. فهي لا تطلب الغاية النفعية أو السعادة الذّاتية ولا تقوم بذلك بدافع الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب. من هنا كانت إرادة مستقلّة. وقد نتساءل كيف تكون الإرادة مستقلّة والحال أنّها محدّدة بالقوانين ومن وراء ذلك بالعقل؟ إن الإستقلال المقصود هنا ليس الإستقلال عن العقل، ولكن الإستقلال عمّا هو خارج العقل. فهي لا تخضع للإله أو الدولة أو المجتمع. وعلى هذا الأساس فالعقل ومن وراء ذلك الإنسان هو المشرّع الأخلاقي. فالحرّية والإرادة لا تتناقضان مع القانون، بما أن القانون هو من صنع الإنسان. من هنا نستخلص خاصّيتين للإرادة: فهي مستقلّة عن كلّ سلطة خارجية وهي أيضا إرادة الفعل بالواجب. وإرادة الفعل بالواجب agir par devoir تختلف عن إرادة الفعل طبقا للواجبagir conformément au devoir، لأنّ أفعالنا يمكن أن تكون طبقا للواجب ولكنّها تحت ضغط خارجي، أو طبقا لميولات حينيّة: وهذه الأفعال ليست أخلاقية. من هنا يجب أن ننظر للإرادة على أنّها في صراع مع الحاجات الغريزية. ولكن كيف لا نجد مؤثرات خارجية تحدّد الإرادة طالما أنّها إرادة فعل؟
إن الإرادة تصبّ فعلا في التجربة، ولكن تظلّ الإرادة سببا للتجربة. كان يمكن أن يكون للتجربة تأثير لو كان الدّافع للفعل هو تحقيق غايات حسّية، أمّا والحال أن العقل هو الذي يحدّد الإرادة فإن التجربة تصبح توفّر لما هو قبلي، لما هو معقول مناسبة الظهور. إنّنا لا نستمدّ من التجرية مبادئ ولكن نذهب إليها بمبادئ. وهكذا فتحديد العقل للإرادة ليس ذاتيّا فهو تحديد كلّي وضروريّ وقبليّ، من هنا كانت أوامره لا ترتبط بما هو ذاتي أو نفعي أو شخصي.
إن النقد الذي وُجّه لكانط هو أنّه يتشدّد في تحديد ما هو أخلاقي فلا يكفي أن يتّبع الإنسان الواجب بل يجب أن يريده لذاته. وكأنّ كانط لا يريد فقط أن يتحكّم في السلوك بل يريد أيضا أن يتحكّم في النوايا. فإن كان ديكارت قد أخذ بعين الإعتبار جانب المصلحة ولم يهتم بتثقيف الإرادة فأبعدها عن الذهن، فإن كانط قد ربطها بالعقل ولكنّه أهمل المصلحة الشخصيّة. وإن أطلق ديكات العنان للإرادة فأخطأت، فإن كانط قد قيّدها فتحجّرت. يشعر الفرد تجاه نظرية كانط أن إرادته قد أُفتكّت منه، فإرادته هي إرادة كلّ إنسان طالما أنّها إرادة العقل.
يرى البعض أن نظرية كانط في الأخلاق هي نظرية إنسانية لأنّ الإنسان في نظره لا يخضع لسلطة خارجية وإنّما يخضع لنفسه لأنّه يخضع لعقله. الواقع أن هذا الحكم في حاجة للنّقاش، إذ كيف نتحدّث عن ضرورة تقويم الإرادة وتوجيهها بل إخضاعها، ومن جهة أخرى نتحدّث عن نزعة إنسانية.
يبدو العقل في بعض الفلسفات المثالية سلطة مُخْضِعَةً. لقد نصّبت الفلسفات المثالية الحديثة وخاصّة مع ديكارت وليبنيتس وكانط وهيغل... العقل إلها جديدا بعد نقد الأديان. فالإله والعقل هما صوت الواجب لذلك يمكن إعتبار المثالية في هذا المعنى البديل عن الدين.
فأيّ عيب في دعوة كانط إلى إخضاع الإرادة للعقل؟ أليس ذلك معناه إخضاع الإنسان لنفسه؟ كان يمكن قول ذلك لو كان الإنسان عقلا خالصا. إن الإنسان وحدة متناقضة، فهو ممزّق بين صوت الألوهية فيه وصوت الحيوانية فيه، بين ماهو إجتماعي وماهو غريزي. أو بتعبير آخر ممزّق بين صوت الأنا الأعلى وصوت الهو حسب تعبير فرويد. فكيف يمكن تجاوز مشكل تقنين الإرادة وفي نفس الوقت إعطاء قيمة للجانب اللاعقلي في الإنسان؟
يبدو أن الحلّ يتمثّل في الإتجاه المعاكس. فعوض إخضاع الإرادة للعقل لماذا لا نخضع العقل للإرادة؟ عندما يتّبع الإنسان إرادته، يكون صادقا مع نفسه. ولكن ألا نعود بهذا الشكل إلى الخطر الذي أشار إليه ديكارت والمتمثّل في الخطإ والضياع؟ الواقع أن خطا الإرادة الذي أشار إليه ديكارت ليس إلاّ حكم ذهن متشبّع بالأخلاق. إن الإنسان لا يتحرّج من إرادته بإرادته ولكن بفعل معارضة غريبة عن إرادته قد تكون الضمير أو الدولة أو الإله. ومع ذلك فالمشكل ليس في هذه السلط وإنّما في تقييم الذهن لها. فالذهن هو الذي ينظر إليها كسلط تحكم الإرادة. فمتى لم تستمع الإرادة لصوت العقل بل تخضعه لها تصبح هي جوهر الإنسان. يبدو إذا أن الحل ّ يتمثّل في إتباع الإرادة الشخصيّة بعيدا عن تسلّط العقل. إذا طالما أنّنا نصّبنا الإرادة جوهرا وسلطة مشرّعة فلا بدّ أن يكون لها محور تتمحور حوله. إن الإرادة بهذا الشكل لا بدّ أن يكون لها برنامج تسعى لتحقيقه. فما هو الأساس الطبيعي للإرادة؟
يوفّر لنا نيتشه الإجابة عن هذا السؤال. فهو يعتبر أن في الفرد تكمن حاجة نفسيّة طبيعية هي إرادة القوّة. إرادة القوّة هي غريزة تحثّ الإنسان على التوسّع والهيمنة وإثراء الذات والنموّ. من هنا كانت إرادة القوّة هي إرادة الحياة. والحجّة على ذلك أن الإنسان متى تمكّن من القوّة إستخدمها في تحقيق أغراضه. فإن كان عادلا رحيما فهو قد خالف الطبيعة وعبّر عن عدم ثقته بنفسه. والأخلاق السليمة هي جملة التصرّفات التي تلبّي هذه الإرادة، وهي أخلاق الأقوياء التي تعبّر عن القوّة والشجاعة والثقة في النفس وكذلك عن روح إنتصارية. إن الأخلاق التي سار عليها الإنسان في بداية تاريخه هي أخلاق الأقوياء. والحضارات قامت على إستخدام القوّة. فالطبقة الأرستقراطية هي التي وضعت القيم. لكن الأخلاق السائدة لا تتلاءم مع الطبيعة. فقد وقع قلب القيم. ولكن كيف تمّ هذا القلب؟ تمّ بالطريقة التالية: لأنّ الضعفاء لم يقدروا على مجاراة الأقوياء وخوفا من بطشهم، إستنبطوا ما يسمّيه نيتشه بأخلاق الضعفاء وهي الأخلاق التي تدعو إلى اللطف والتعاون والرحمة والعدالة والديمقراطية... وكلّ ذلك من أجل الدفاع عن أنفسهم. أخلاق الضعفاء أو العبيد ناتجة عن الحقد والضغينة التي يكنّها الضعفاء للأقوياء. إن الرّجل المتخلّق في الطبقة الأرستقراطية هو المحارب والمغامر والمسيطر، بينما الرّجل المتخلّق في طبقة العبيد هو المتخلّق والمسالم والمتواضع والمتسامح وهكذا تمّ قلب القيم وتزييف الحقائق، فأصبح الضعف فضيلة والقوّة شرّا والعجز صبرا والصبر مفتاح الفرج. كما شوّهت أخلاق الضعفاء طبيعة الإنسان، فهو في الأصل يولد متحرّرا مقبلا على الحياة بدون عقد لا يعرف الخير والشرّ، ولكن بإكتسابه أخلاق الضعفاء يقع شلّ إستعداده للحياة وذلك بتكبيله بالقواعد الأخلاقية، فينفر من طبيعته تحت الشعور بالدونية والذنب وتصبح حركاته محسوبة. قمة الإنحطاط في نظر نيتشه كامنة في رجال الدين. فالأديان هي نواة أخلاق الضعفاء لأنّها تحاول أن تشدّهم إلى عالم أخروي هو في الحقيقة وهمي وكذلك تسعى لأن تزرع فيهم الشعور بالذنب. كما أن الغرض من فكرة الإله هو أن يظهر الضعفاء للأقوياء أنّهم ليسوا الأقوياء حقيقة وإنّما هناك من هو أقوى منهم وهو قاهر الجبّارين وناصر المستضعفين. هذه الأخلاق عرقلت في نظر نيتشه نموّ الإنسانية. وعلى الرّغم من أنّها إنتصرت وأصبحت هي السائدة فهذا لا يمنع من قلب القيم من جديد حتّى يبرز لنا الأقوياء يقودهم الإنسان الأعلى. وقلب القيم من جديد هو أمر ضروري ومشروع لأنّه يساير إرادة القوّة. فإرادة القوّة هي جوهر الإنسان وليست هي الرّوح. لا يعتبر نيتشه الرّوح كيانا له حاجيّاته ومطالبه، فالرّوح ليست جوهرا. جوهر الإنسان الوحيد والمتحايث مع جسده هو الطبيعة. وهذه الطبيعة لها حاجيّاتها والحاجة الطبيعية الجوهرية هي إرادة القوّة. إن الإنسان بإرادته للقوّة ليس في حاجة لمن يريد مكانه بل في حاجة لوسيلة تحقّق له ما يريد، وكانت هذه الوسيلة هي الرّوح.
لقد إنبنت فلسفة نيتشه على نقد الدين والأخلاق والعقل والحقيقة من جهة وعلى تركيز مفهوم إرادة القوّة والغريزة من جهة أخرى. وإن إقتصر نيتشه على مفهوم الإرادة عند الإنسان فإن شوبنهاور قبله قد عمّم هذا المفهوم وسحبه على كلّ ظواهر العالم. لذلك ألّف كتابا عنوانه "العالم كإرادة وتمثّلا". يرى شوبنهاور أن الإرادة هي المبدأ الذي يسيّر العالم بأسره بما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد. الفرق الوحيد بين الإرادة في الإنسان والإرادة في بقية الكائنات هو أن الإرادة في الإنسان تتبّع أغراضها مستنيرة بالعقل بينما هي في بقية الكائنات تكافح كفاحا أعمى. فليست العلاقة السببيّة بين الظواهر إلاّ الإرادة. فالدفع والجذب والدحرجة والتحليل والتركيب والنموّ... كلّها مظاهر للإرادة. والقوّة التي تجذب العشّاق لبعضهم البعض هي عينها التي تجذب الكواكب لبعضها البعض.
قد يذهب في ظنّ البعض أن موقف شوبنهاور فيه حطّ من قيمة الإنسان لأنّه يخضعه لإرادة كونية. فهل أن الإنسان هو حقّا تحت ضغط هذه الإرادة أم هو متحرّر من قبضتها؟ يرى شوبنهازر أن الناس يعتقدون خطأ أن عقولهم هي التي تسيّرهم والواقع أن العقل بالنسبة للإرادة هو كعبد مبصر يقوده سيّده الأعمى فنحن لا نريد شئيا لأنّنا وجدنا أسبابا تقنعنا به (سيادة العقل على الإرادة) وإنّما لأنّنا نريده نبرّر بالعقل إختيارنا (أولوية الإرادة على العقل). ومن الحجج في هذا الباب أنّك قد تتعب في إقناع شخص بالمنطق ولكن يسهل عليك التأثير فيه إذا أثَرْتَ مصلحته الشخصية. أضف إلى ذلك فإن ما يضعه الفرد من مشاريع جيّدة وذكية، لا قيمة لها إذا لم تكن للفرد إرادة تطبّقها فكم من شخص يقرّر الإنقطاع عن التدخين وهي فكرة جيّدة لكن تظلّ غير مفيدة إذا تصحبها إرادة قوية في التنفيذ. كلّ هذا يبيّن أن شخصية أي فرد تكمن بالأساس في إرادته لا في عقله.
فما هي قيمة ما يدعونا إليه نيتشه وشوبنهاور؟
لو حكمنا على موقف نيتشه بأنّه موقف لاأخلاقي يردّ الحياة الإنسانية إلى الحياة الحيوانية وحكمنا على موقف شوينهاور بأنّه موقف ينسب القيادة لإرادة عمياء لا تفرّق بين العاقل والحيّ والجامد، لو قمنا بذلك لكان نقدنا خارجيا لا قيمة له لأنّنا نصّبنا الذهن حكما على الإرادة وهو ما يرفضه هذان الفيلسوفان. فأي عيب في الإرادة في حدّ ذاتها وكما يدعوان إليها؟
لو نساير فلسفة الإرادة لوجدنا أن الإرادة غير منسجمة مع نفسها، إذ ما معنى أن يريد الإنسان أمرا ثمّ يندم على طلبه؟ كيف يمكن أن نقدّس الإرادة في الإنسان وهي مضطربة؟ فالإرادة عند نيتشه وشوبنهاور هي في نهاية المطاف صوت الغريزة، ولكن الإنسان لا يريد فقط في حدود غرائزه. فالشهيد يضحّي بحياته في سبيل الوطن، يريد أمرا يتناقض مع صوت الغريزة الذي يفرض عليه حبّ البقاء.
يبدو أن موقف شوبنهاور ونيتشه جاء كردّ فعل متطرّف على الفلسفات المثالية السابقة خاصّة مع أفلاطون وديكارت وكانط. وفي هذا الشقّ أو ذاك لا نجد إلاّ نظرة أحادية الجانب للإنسان. فالإتجاه المثالي يرفع من شأن الإنسان معتبرا العقل جوهره، والإتجاه المادّي أو الطبيعي يحطّ من قيمته لدرجة إعتبار أن جوهره الغريزة. لقد سعت الفلسفات المثالية لبناء الإنسان فأخذت الطموح محلّ الواقع وما يجب أن يكون على أنّه كائن. وبإعتبار أن هذا المنهج هو منهج أخلاقي لاموضوعي، ظهرت الفلسفة المادية كفلسفة تشخيصية وصفية تفضح حقيقة الإنسان والمجتمع وتكشف المسكوت عنه حتّى أن مدرسة التحليل النفسي إنبنت على هذه الفلسفات المادية. ويروي فرويد عن نفسه أنّه تأثّر كثيرا بنيتشه. إذا يمكن القول إن لا الإتجاه المادي التشخيصي ولا الإتجاه المثالي الأخلاقي قد تمكّنا من وضع موقف سليم من الإرادة. إن النظرة السليمة للإرادة ليست في إخضاع الإرادة للعقل ولا في إخضاع العقل للإرادة. فما هي النظرة السليمة إذا؟
يبدو أن النظرة السليمة للإرادة هي النظرة التي تأخذ بعين الإعتبار أمرين:
-أن أساس الإرادة غريزي وهو حبّ البقاء. بحيث يُأخذ هذا الميل للبقاء على أنّه محور كلّ الرّغبات.
-سبيل تلبية هذا الميل المحوري يكون بالعقل أي بمراعاة النظم الإجتماعية السائدة مع محاولة إصلاحها إن عرقلت هذا الميل للبقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)Descartes :Les Méditations,partie 4,§9
2)Descartes : Lettre à Mesland le 9.11.1645
3)Aristote : Ethique à Nicomaque, Paris, ed.Flammarion,p70
4)Aristote :Ethique à Nicomaque, coll. Livre de poche , 1992, Livre III ch 1er §3 p106