مفاجأة في الطريق
جلست تحت شجرة زيزفون ضخمة في حديقة عمومية ورحت أتأمّل
ماء النافورة وهو يصعد في شكل لولبي يأخذ اللبّ فأشعر براحة ما بعدها راحة. وأنا
على ذلك الحال إذ شاهدت رجلا رثّ الهندام، أشعث الشعر، مغبرّ اللحية. شدّني منظره
فرحت أتثبّت في هيأته وكلّ ما يصدر عنه. وصادف أن مرّ حارس الحديقة بقربي وهو
يعرفني من المتردّدين الدائمين على الحديقة. فسألته عن قصّة هذا الرّجل. فقال لي:
"تقصد عبد الرّحيم؟" وأشار ناحية الرّجل. فقلت له هو "نعم هو من
أقصد". فقال لي:
- عبد الرّحيم هذا كان فنّانا يعزف على العود ويغنّي في
نفس الوقت. أحيا عديد الحفلات وكان يمكن أن يصبح مشهورا لو لا تلك الحادثة
المشؤومة التي قضت على مستقبله. ففي إحدى ليالي الشّتاء عاد عبد الرّحيم بسيّارته
من نزل في إحدى المناطق الساحلية بعد أن أحيا حفلا. في الطريق أوقفته شرطة المرور
في مراقبة عادية. لم يكن عبد الرّحيم يسرع وكانت وثائقه تامّة. امتثل لإشارة عون
المرور وخضع للمراقبة والتفتيش.
تثبّت الشرطيان في كلّ الوثائق وأخضعا السيّارة لفحص
فنّي، كان كلّ شيء على أحسن ما يرام ولم يجد الشرطيان سببا يسوغ لهما التسلّط على
عبد الرّحيم أو التطاول عليه وبالتالي فلا رشوة ولا توسّل. ولأن كلّ شيء على أحسن
ما يرام لا بدّ من عقابه فاستجوباه بطريقة استفزازية وسألاه عن أمور لا تعنيهما.
ولأنّه امتثل بأدب إلى كلّ ما يطلب منه تمادى الشرطيان في التطاول عليه وكان آخر
ما طلباه منه هو عزف وغناء أغنية ترفّه عنهما في تلك الليلة الباردة. قال لهما عبد
الرّحيم إن الظرف غير مناسب للعزف والغناء. فهل يعقل أن يقف رجل على قارعة الطريق
في الثالثة صباحا في ليلة شتوية باردة وفي يده عود وهو يعزف ويعنّي في الخلاء
وجمهوره شرطيان؟ ولكن الشرطيان أصرّا على طلبهما. فكان إصرار على الطلب من هنا
وإصرار على الرّفض من هناك. وتعالت الأصوات في ذلك الليل. فأخرجاه من السيّارة
وغلاّ يديه وراء ظهره وتركاه واقفا هناك بجانب سيّارته وواصلا عملهما حتّى مطلع
الفجر. لم يكن عبد الرّحيم متعوّدا على مثل هذه الإهانات. وقوفه في الصقيع وهو
المظلوم جعله يشعر بقهر بالغ خاصّة وأنّه فنّان مرهف الحسّ. بعد حوالي ساعتين وقع
اقتياده إلى مركز الأمن وهناك أبلغا القيادة العليا بأن عبد الرّحيم كان يقود
سيّارته بسرعة جنونية ولمّا أوقفاه لتحرير محضر المخالفة ضدّه حسب التراتيب
القانونية حاول أن يرشيهما فتمّ إيقافه. نفى عبد الرّحيم هذا الإدّعاء وقال إنّ
سيّارته قديمة ويستحيل أن تتجاوز الثمانين كليومتر في الساعة وبالإمكان التأكّد من
ذلك. أمّا بخصوص الرّشوة فقال أن ليس في جيبه إلاّ بعض المليمات. لم تتحرّك
الإدارة للتأكّد من صحّة كلامه. وأصيب عبد الرّحيم بالقهر. وقع إعلام وكيل
الجمهورية بتهمة الرشوة والقيادة بسرعة جنونية مع إضافة إحداث الهرج بالمركز
ومحاولة الاعتداء على الأعوان. وأمر وكيل الجمهورية بإيقافه حالاّ وتحويله إلى مركز
الإيقاف وكانت ظروف الإيقاف تعيسة جدّا. مكان الإيقاف هو عبارة عن دهليز تحت الأرض
لا تطلّ عليه شمس ولا تهبّ عليه نسمة. تشمّ رائحة الرّطوبة والعفن من بابه. بعد
دخول الموقوف إلى ذلك المكان بزمن يفقد الشعور بالفرق بين الليل والنهار لأنّ
الساعات والهواتف وكلّ الممتلكات تفتكّ منهم. لا يعرف الموقوف هل هو في الليل أن
في النهار.
الأكل رديء جدّا أمّا النظافة فحدّث ولا حرج، يكفي القول
إن مراحيض غرف الإيقاف هي عبارة عن ثقب في الأرض بلا جدران ولا أبواب.
ذكّرني حديث السيّد منصور عن غرف الإيقاف بقصّة رواها لي
صديق. كان لهذا الصديق أخ وقع إيقافه في حملة تفتيش وهو أستاذ جامعي لا علاقة له
بالإجرام والتحيّل ولكن من سوء حظّه أنّه كان في مقهى يستريح فدخل الأعوان وجمعوا
كلّ من كان هناك ولمّا أعلم الأعوان بصفته
قيل له سوف يقع التحقّق ممّا تقول في مركز الإيقاف. ووصل إلى مركز الإيقاف وكان
قبل ساعة في مدرج الكلّية يحاضر. في ظرف ساعة انقلبت حياته ووجد نفسه محشورا مع
المجرمين والمنحرفين. ومن سوء حظّه وقعت حملة التفتيش يوم السّبت مع الظهر ولم يصل
الموقوفون إلى مركز الإيقاف إلاّ وقد دخل المحقّقون والإداريون في عطلة نهاية
الأسبوع (مساء السبت ويوم الأحد) ولم يبق في مركز الإيقاف إلاّ أعوان الحراسة
والطبّاخون. يوم الاثنين لم يحوّل الأستاذ الجامعي إلى قاضي التحقيق بل إلى طبيب
نفسي. استمتع الحارس منصور إلى القصّة التي رويتها له وقد استغلّ فرصة سكوته
وسماعه لي ليشرب من قارورة بجانبه. واصل الحارس حديثه فقال:
"من حسن حظّ عبد الرّحيم أن إيقافه كان يوم
الثلاثاء وهذا يعني أنّه لم ينتظر طويلا ليستجوب قريبا وهو يعلم أن مدّة الإيقاف
لا يجب أن تزيد عن أسبوع ولكن أسبوع في هذه الظروف كفيلة بأن تخرج الموقوف عن
طوره. يوم الجمعة تمّ عرض عبد الرّحيم على قاضي التحقيق. في التحقيق فنّد كلّ ما
جاء في التقرير المزوّر لأعوان الأمن. ولكن قاضي التحقيق كان أشرس من أعوان الأمن.
ففي الوقت الذي كان فيه عبد الرّحيم يدافع عن نفسه بحرارة ويسعى لإيقاظ ضمير قاضي
التحقيق، كان هذا الأخير يعبث بقلم بين أصابعه ويدير الكرسي الذي يجلس عليه يمينا
ويسارا. ويكتفي بالقول "إيه وبعد". ضاق صدر عبد الرّحيم بهذه
اللاّمبالاة ولكن كتم غيضه فمصيره بين يدي الرّجل. وصمت عبد الرّحيم وطال الصمت
وفي الأخير نطق قاضي التحقيق.
-هل لديك شهود؟
-لا! وكيف يكون لي شهود في الثالثة صباحا؟
لو اجتمع كلّ من له سوء ظنّ بالنّاس لأجمعوا على براءة
هذا المسكين. وطأطأ عبد الرّحيم رأسه منكسرا. كانت نبرة الصدق ونغمة البراءة
والتوسّل في صوته ونظراته التائهة أمور كافية لتقنع كلّ من له سوء ظنّ بالنّاس
ببراءة هذا المسكين لكنّها لم تقنع حاكم التحقيق فقضى بسجنه مؤقتا في انتظار
المحاكمة. ولما سمع عبد الرّحيم بقرار حاكم التحقيق أسقط في يده. وحوّل في ذلك
المساء إلى السّجن.
وسألت منصور:
- و بماذا حكمت عليه المحكمة؟
- لم يحاكم لأنّه جنّ قبل ذلك. ومن ذلك الوقت وهو كما
ترى.