الشاعرعبد الله مالك القاسمي والتصالح مع الهزيمة
"هذه الجثة لي" هو عنوان إحدى المجموعات الشعرية للشاعر عبد الله مالك القاسمي. في هذا العنوان هناك إعتراف، إعتراف بإمتلاك جثة. وإذا سلّمنا بأن الجثة شيء ساكن وقبيح، قلنا أن الشاعر يعترف بإمتلاكه لشيء قبيح، ولا يعترف الإنسان بذلك إلاّ إذا كان مجبرا على ذلك. وكأن لسان حال الشاعر يقول "هذه الجثة لي وكنت أتمنّى أن يكون لي جسد جميلا وأنيقا ورياضيا ولكن...واحسرتاه! هناك جثة. وهذه الجثة للأسف لي" فما هي هذه الجثة؟
إن من يقرأ المجموعة بتمعّن يبدو له أن الشاعر يقصد بالجثة : العائلة الفقيرة والمجتمع المعدم والوطن الجريح. وطن إستوطن فيه الجرح وسكنه فأسكنه (شلّ حركته وأصبح جثة).
"يا تونس أيتها العجوز
لماذا أنت عابسة كيوم الشتاء
إضحكي قليلا...
أليس الوقت مناسبا للبكاء(ص24)
ويخاطب الشاعر مجتمعه الذي تفشى فيه الفقر والجهل "يا فقراء الحي إستيقظوا"(ص21). أما مشاكل العائلة فحدث ولا حرج. صحيح أن المشاكل تقدح زناد فكر الشاعر لقول الشعر وأن الأدب مأساة أو لا يكون كما يقول المسعدي ولكن بئس هذا الأدب الذي تؤلف حوله رسائل الدكتوراه ويتسلّق به البعض إلى المراتب العليا في سلّم الوظيفة ويظلّ الشعراء والأدباء الذين هم المبدعون في الحقيقة وهم نواة رقي البعض في فقرهم يقبعون يتسوّلون الغذاء والدواء. يقول الشاعر يخاطب نفسه:
"هذا أنت ...
بدرّاجتك النارية
ترحل في الصيف وفي الشتاء
من عذاب لعذاب
حيث لاماء صالح للشراب
ولا كهرباء في بيتك المتواضع"(ص23)
هذا الشعور بالمأساة، ماذا أعقبه؟ هل إرتسمت البسمة على الشفاه؟ هل إستمعت الأقدار لنواح الشاعر وصبره؟
"إهترأت يداك من الكلام(ص21)
"أفصحت كثيرا
...حتى إنكشف العظم
وسال دم...الكتابة(ص40)
ومع ذلك لا حياة لمن تنادي ... لا حياة لهذه الجثة الساكنة "لم يثمر الجرح أغنية"(ص19) ولا "طير ترحل في الغناء
ولا نجمة تغزل خيط الضياء"(ص38)
عبد الله مالك القاسمي شاعر صبور ومحبط وشجاع. وشجاعته تكمن في أنّه تعرّى أمام المأساة وتصالح مع مصائبه بدون هروب أو موارة "هذه الجثة لي".
هذه الجثة إذا هي تاريخه( تاريخ المعاناة وإنعدام الإستقرار، عمل في الفلاحة ، الداخلية، الثقافة ليستقرّ أخيرا في الصحافة.)وتاريخ مجتمع يئن ووطن جريح.
أما لماذا عبّر الشاعر عن هذا المحيط الشامل بالجثة فذلك لأن الألم الذي يشعر به عندما يمسّ وطنه أو مجتمعه أو عائلته بسوء، هو كالألم الذي يشعر به عندما يعضّ لحمه. فالعلاقة الحميمية التي تربطه بمحيطه هي عينها العلاقة التي تربطه بجسده. قد نلوم الشاعر على إعترافه بجثته أو على تصالحه مع الهزيمة، ولكن من منّا يسيّر الأقدار بإشارة من بنانه. ماذا قال الشاعر تجاه مرض إبنته "هاجر" قال لها:
"هاك دمي
فلتكتبي
-.......
(جفّ دمي)
هاك رماد الجسد"(ص14)
لم يكن موقف الشاعر الثورة ولا يمكن أن يكون كذلك، وإنّما كان التضحية، التضحية المفروضة، إعتراف بالإستسلام للقدر، بالموت، بإمتلاك جثة. وهكذا تدريجيا، مات الشاعر روحيّا. فهو حيّ في بردة ميّت أو ميّت مع تأجيل التنفيذ. يقول الشاعر:
"أعرف موتي وأسمّيه
و إذن...
سأجرّب تيها آخر
موتا آخر
بعثا آخر
و أنادي:
هذه الجثة لي
هذا بعض رمادي"(ص(51-52
لم ينتظر الشاعر حتّى يأتيه الموت بل إنّه إستدعاه. لم يعد الشاعر قادرا على تحمّل وضعه كميّت مع تأجيل التنفيذ لذلك إستدعى الموت وقفز على الحياة إلى أين؟ إلى الحياة بعد الموت.لذلك يقول سأجرّب موتا آخر. إعتراف الشاعر بهزيمته هو إنتصار له وبعث آخر أو ولادة جديدة. هذا الإعتراف هو النقطة الفاصلة بين مرحلتين: مرحلة حياة مفروضة جوهرها التنكيل فيها أمل وإحباط ، طموح وفشل، ومرحلة حياة مختارة يحياها الشاعر ساخرا من الحياة، هازئا بالموت، متكبّرا على الأمل، نافرا من الطموح. عبدالله مالك القاسمي بصق في وجه الحياة التي إنتظر منها الكثير فأعطته القليل.