الدراسة 14. التجريد و التقبّل في نظرية المعرفة عند الفارابي

ECRITS
0

حسن الولهازي (تونس)

التجريد و التقبّل في نظرية المعرفة عند الفارابي 

تنقسم نظرية الفارابي المعرفية إلى قسمين. في المرحلة الأولى يجرّد الإنسان صوّر الموجودات. و في المرحلة الثانية يتقبّل صوّرها مباشرة من العقل الفعّال. المرحلة الأولى كَسْبِـيّـة بينما المرحلة الثانية تقبّليّة. في المرحلة الأولى يكون العقل الإنساني ساعيا إلى انتزاع الصوّر من الأشياء بينما في المرحلة الثانية يكون نشاطه مقصورا على تقبّل المعقولات جاهزة من العقل الفعّال، و بالتالي يكون العقل الفعّال في المرحلة الأولى سلبيا بينما في المرحلة الثانية فعّالا.في كلتا المرحلتيْن نجد ثلاثة مصطلحات تتكرّر: الإنسان، المعقولات والعقل الفعّال. لكن معقولات المرحلة الثانية ليست هي معقولات مرحلة التجريد. كما أن دور العقل الفعّال ليس هو نفسه في كلتا المرحلتين.في المرحلة الكسبية يستعمل الإنسان في البداية قوّة من قوّاه النفسية هي "القوّة الغاذية" و هي "القوّة التي بها يحسّ الملموس، مثل الحرارة و البرودة، و سائرها التي بها يحسّ الطعوم، و التي بها يحس الرّوائح، و التي بها يحسّ الأصوات، و التي بها يحسّ الألوان و المبصرات كلّها مثل الشعاعات" (آراء أهل المدينة الفاضلة الفصل 20). نلاحظ إذا أن القوّة الحاسّة تتعامل مع المحسوس و تستعمل الحواس كأداة للإدراك. بعد أن تباشر النفس المحسوس تنطبع فيها "رسوم المحسوسات" بواسطة  القوّة المتخيّلة. و هي "القوّة التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحسّ" و هي التي "تركّب بعضها إلى بعض و تفصل بعضها عن بعض" و يكون بعض هذه التركيبات صادقا و بعضها كاذبا. فمن حصول الإنسان على صورة جمل و زرافة، يمكنه أن يتخيّل صورة جمل برأس زرافة. أمّا القوّة الناطقة فهي القوّة التي بها يعقل المعقولات و بها تكون الرويّة و بها يقتني العلوم و الصناعات و بها يميّز بين الجميل و القبيح و منها العملي و منها النظري. إن القوّة الناطقة هي خاصّية الكائنات الناطقة أو المفكّرة ـ أي الإنسان ـ و مع الإنسان لا نتحدّث عن رسوم المحسوسات و لا عن إدراكات حسّية فقط، بل نتحدّث أيضا عن معقولات. ذلك أن للإنسان عقلا يعقل به و به يتعلّم الصناعات و العلوم و به يخطط لما سيفعله، بينما الحيوان له القوّة الحاسّة فقط و ليس له القوّة الناطقة. في علاقته بالمعقولات، يمتلك الإنسان في البداية عقلا بالقوّة و المعقولات تكون بالنسبة له معقولات بالقوّة. و يجب أن نشير  إلى أن الفارابي يقسّم المعقولات إلى:

ـ معقولات هي عقول بالفعل (العقول المفارقة) (المعقولات المحضة)

ـ معقولات هي معقولات بالفعل (البديهيات...)

ـ معقولات هي معقولات بالقوّة (الموجودات الحسّية)

لا شكّ أن العقل في المرحلة الكسبية يعقل المعقولات بما هي معقولات بالقوّة. و يسمّي الفارابي العقل في البداية عقلا هيولانيا. و هذه التسمية مرتبطة بنوع المعقولات التي يعقلها.

يتوجّه العقل الهيولاني الذي هو أساسا بالقوّة، إلى المعقول الذي هو أيضا بالقوّة، فيعقله و إذا عقله أصبح هذا المعقول بالفعل لديه و أصبح هو يعقله بالفعل. لماذا بالفعل؟ لأنّ النفس حسب الفارابي محتوية في ذاتها على المعقولات لكن بالقوّة. فمن الذي جعلها بالفعل؟ هل مباشرة العقل الهيّولاني للموجودات؟ لا! ليس هذا فقط، بل هناك عقل هو في جوهره عقل بالفعل: هو العقل الفعّال. و لا يجب أن نفهم أنّه يمدّه بالمعقولات بل هو : مُـنِـيـرٌ. العقل الفعّال في المرحلة الكسبية مجرّد منير فقط. ينير الموجودات لتصبح معقولة. و ينير العقل الهيولاني ليعقل. فمنزلته هنا هي منزلة الشمس من البصر. فهو كالشمس تنير الطاولة مثلا و تبعث بضوئها للعين لتتمكّن العين من البصر. لكنّها لا تمدّنا بصورة الطاولة . و لهذا قلنا في البداية إنّ دور العقل الفعّال في المرحلة الكسبية سلبي لأنّ نشاطه لا يتجاوز مجرّد الإنارة و في هذه المرحلة يكون نشاط الإنسان كبير. فهو دائما يسعى إلى أن يمتلك عقلا بالفعل. فكلّما تعقّل معقولا إلاّ و أصبح له بالفعل. فإذا حصلت في نفسه كلّ المعقولات أو جلّها أصبح له عقلا مستفادا.

عندما يصل الإنسان إلى مرتبة العقل المستفاد تتغيّر نوع المعقولات التي سيعقلها عن نوع المعقولات التي كان يعقلها. كما أن دور العقل الفعّال بالنسبة للإنسان من الناحية المعرفية يتغيّر. و هنا ندخل الطور الثاني في نظرية المعرفة الفاربية أي ندخل المرحلة التقبّلية. في المرحلة التقبّلية لن نتحدّث عن معقولات بالقوّة لأنّ المعقولات التي بالقوّة هي مع المرحلة الكسبية. فالعقل الفعّال بعد أن كان منيرا للموجودات و للعقل الهيّولاني أصبح "واهبا للصوّر" و "المعقولات" التي كانت تنتقل في المرحلة النشاط العقلي الإنساني من القوّة إلى الفعل أصبحت بالفعل هي الآن، لأنّها لا تشوبها مادّة أصلا و هي في العقل الفعّال. و بهذا يصبح العقل الفعّال خـزينة الحقائق.

العقل الفعّال لا يتدخّل في المرحلة الأولى إلاّ لينير و لا يترك الإنسان يتخبّط مع المادّة. ساعة أن تحصل له المعرفة الحسّية يرسل بمعقولاته إلى العقل المستفاد. فالمعرفة التجريدية الإنتزاعية هي حسّية بينما المعرفة التقبّلية هي إشراقية لأنّ العقل الفعّال يشرق فيها بمعارفه على العقل المستفاد فهو كالوحي الذي ينزل على الأنبياء أو كالنور الذي قذفه الله في صدر الغزالي.

و بعد تحليل نظرية الفارابي في المعرفة تستطيع أن نستنتج عدّة أشياء منها أنّه:

ـ أتى بمنهج معرفي خاصّ مخالف لأرسطو و لأفلاطون.

ـ يؤمن بوحدة الفلسفة.

ـ تتوضّح من خلال هذه النظرية مصادر فلسفية.

يمكن أن نصوغ هذه النقاط في تحليل قصير:

أرسطو من القائلين بالمنهج الحسّي في المعرفة أي أنّ انطلاقا من الموجودات الحسّية نستخلص المفاهيم و المدركات التي تحصل في الذهن و هذه الصوّر محايثة للموجودات و غير مفارقة. أمّا أفلاطون فيقول بالمنهج الديالكتيكي في المعرفة أي الوهم، الحسّ، الرياضيات و الجدل. و في الجدل يصل الإنسان إلى معرفة المثل. في المرحلة الحسّية يعرف زيدا بينما في مرحلة الجدل يعرف الإنسان معرفة حقيقيّة. في المرحلة الحسّية قد يفعل فعلا خيّرا بينما في مرحلة الجدل يعرف ما هو الخير في حدّ ذاته.

لمّا نصل إلى الفارابي نلاحظ أن المرحلة التجريدية الانتزاعية شبيهة إلى حدّ ما بنظرية أرسطو في المعرفة. فعند الفارابي الإنسان ينتزع "رسوم المحسوسات" و عند أرسطو الإنسان يستخلص المفهومات و المدركات. هي مدركات عند أرسطو وهي معقولات بالفعل عند الفارابي.

 

 

 


Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top