6. معنى حرية الإختيار عند نيتشه

ECRITS
0

حسن الولهازي (تونس)

تحليل نص:

 لنيتشه من كتاب "ما وراء الخير والشر" الفصل 1 الفقرة 21

                                                            

يقول نيتشه:

"إن [مفهوم] السبب بذاته لهو من أفضل التناقضات الداخلية التي تمّ إبداعها على الإطلاق، إنّه نوع من انتهاك المنطق وقتله: لكن كبرياء الإنسان هو الذي قاده للاختباء بعمق وخبث وراء هذه الترّهات. إنّ الرغبة في "حرية الاختيار" بالمعنى الماورائي أو التفضيلي للكلمة، وكما هو سائد إلى الآن، وللأسف، في الأذهان غير المثقفة جيّدا، إلى جانب الجاجة في تحمّل كامل المسؤولية المترتّبة عن الأعمال وتبرئة الله والعالم والأجداد والصدفة والمجتمع، تبعة هذه المسؤولية. كلّ ذلك ليس في الواقع شيئا يقلّ عن الحاجة ليكون الإنسان بالذات هذا السبب بذاته، فبجرأة يحاول المرء أن يمسك نفسه من شعره ليسحب نفسه من مستنقع العدم إلى الوجود. لنفترض جدلا أن أحدهم قد تمكّن، وببلاهة ساذجة، أن يمحو من ذهنه هذا المفهوم الشهير "حرية الاختيار" فإنّي أرجوه أن يمضي في "تنوّره" خطوة أخرى إلى الأمام ليمحو من ذهنه أيضا المفهوم المقابل، أعني به "حتمية الاختيار"، الذي يؤدّي إلى سوء استخدام الأسباب والنتائج، علينا أن لا نُشَيِّئَ "السبب" و"النتيجة" خطأ كما يفعل العلماء الطبيعيون (أو من يفكّر مثلهم بعبارات الطبيعة) بلجوئهم إلى الميكانيكية البلهاء المسيطرة، التي تتصوّر السبب أداة تزن وتدفع حتّى تتحقّق النتيجة، علينا أن نستعمل "السبب" و"النتيجة" كمفاهيم صامتة أي كفرضيات اصطلاحية تساعدنا في الإشارة إلى الهدف من العلاقة من أجل التفاهم، لا لأجل التفسير. لا وجود في "الشيء لذاته" أثرا "للروابط السببية" أو "للضرورة" أو "للحتمية السيكولوجية". هنا لا تتبع النتيجة السببَ "بالضرورة"، هنا "لا سيطرة لأيّ قانون". إنّنا نحن الذين ابتدعنا كلّ هذه الفرضيات: السبب، التتابع، التناقض، النسبية، الإلزام، العدد، القانون، الحرية، العقل والغاية، وحين نضيف خطأ إلى "الأشياء" ما اخترعناه من عالم –علامات كما لو كانت تنتمي إليها بالذات، فإنّنا نكون بذلك قد تصرّفنا كما نتصرّف على الدّوام بشكل خرافي. إن "حتمية الإختيار" ليست إلا خرافة. لا وجود في الواقع إلاّ لإرادة قويّة أو إرادة ضعيفة. ـ وإنّه من عوارض النقص أن يعتقد المفكّر أن وراء كلّ "ترابط سببي" أو وراء "الحتمية السيكولوجية" على الدوام نوعا من الإلزام أو من الضرورة أن من التدرّج أو من الضغط أو الحتمية –إن الشعور بكلّ ذلك يحمل على الخداع- إنّ الشخص إنّما يخدع نفسه بشكل عام. وإذا كان لملاحظاتي نصيب من الصحّة فإنّ مسألة الحتمية إنّما تعالج بشكليْن مختلفيْن، بل على طرفيْ نقيض، ولكن بطريقة شخصية جدّا: فالبعض لا يريد التخلّي إطلاقا عن "مسؤوليته" أو عن الاعتقاد بذاته، أو عن الحق الشخصي لما يستحقّه فعلا. (وهذا ما ينطبق على الأعراق المغرورة بنفسها-)، أمّا البعض الآخر فعلى النقيض فلا يريد أن يتحمّل أيّة مسؤولية أو أيّة تبعة. إنّهم يبغون التخلّص، ولا يهمّ أين، وبدافع من احتقارهم الحميم لذاتهم، من كلّ ثقل ذاتهم الداخلية. وحين يكتب هؤلاء الكتب فمن عاداتهم الآن الدفاع عن المسيئين. عطاؤهم المحبّب في ذلك إشاعة نوع من اشتراكية الشفقة. أمّا بالواقع فإنّ جبرية اصحاب الإرادة الضعيفة لا تبدو جميلة إلاّ حين تظهر نفسها باعتبارها "ديانة العذاب الإنساني". وهذه هي طريقتها في اظهار "حسّها الطيب".

نيتشه من كتاب "ما وراء الخير والشر" الفصل 1 الفقرة 21

ترجمة جورج كتورة

ورد في مجلّة "العرب والفكر العالمي"

العدد الثاني ربيع 1988 ص 45- 46

التــمـهيـــــــــــــــــد :

لأن موضوع المعرفة مستقلّ عن الذات العارفة أمكن للإنسان أن يعمل عقله في المواضيع التي يدرسها بكلّ تجرّد وموضوعية. فهو ليس في حاجة ليقحم آراءه وأهواه لأنّ خصائص الموضوع لا تمسّ قيمه وقيمته. فالقول إن الماء لا لون له لا يقلّل من شأن الإنسان ولا يرفع من قيمته.

طــرح الإشـــــــــــــكال

فهل يعالج الإنسان المواضيع الإنسانية مثل الحرية والعدالة والسعادة والفضيلة... بنفس الموضوعية التي يعالج بها المواضيع الخارجية؟ هل أن أحكامه تجاه هذه المواضيع تراعي الحقيقة أو تراعي مصلحته وقيمته؟ فإذا أخذنا "حرية الاختيار" كموضوع، تساءلنا كيف عالج الإنسان هذا الموضوع من وجهة نظر نيتشه؟ هل هناك أرضية ايديولوجية ينبني عليها موقفه من هذه المسألة؟ وإذا أخطأ الإنسان في معالجة هذه المسألة فما هو الحلّ في نظر نيتشه وهل هذا الحلّ جدير بالثقة أم أنّه يتنزّل في نفس الأرضية التي تؤسس الموقف الذي ينقده؟

التحــلـيـــــــــــــــــــــــــل

أوّلا: نقد فهم الإنسان لحرّية الاختيار (من بداية النصّ إلى قوله "من مستنقع العدم إلى الوجود")

"السبب بذاته" هو الكائن الذي لا يتلقّى أوامر أو ضغوطات خارجية عندما يتحرّك أو يريد. فذاته هي التي تؤسس ما يقوم به. من الكائنات التي يُعتقد أنّها "أسباب بذاتها" نجد الله و "الإنسان". يعتقد بعض النّاس أن لله هو سبب بذاته لأنّه حرّ حرية مطلقة في كلّ ما يقوم به. كما يعتقد آخرون أن الإنسان هو أيضا سبب بذاته وإن كان أقلّ فاعلية من الله ولكنّه حرّ ومبدع في مجالات معيّنة ولذلك هو مسؤول. ما هو حكم نيتشه على هذا الاعتقاد؟ يقول نيتشه "إن مفهوم السبب بذاته لهو من أفضل التناقضات الداخلية التي تمّ إبداعها على الإطلاق". فإذا أخذنا "السبب بذاته" على أنّه الله قلنا إنّ التناقض الداخلي المشار إليه يتمثّل في أن الإنسان وهو ينسب إلى الله قدرة لامتناهية وحرية مطلقة يعتقد أنّه يعقلن الوجود ويحمي نفسه بالاعتقاد في وجود إله يحميه، والواقع أنّه يهين نفسه إذ يتعلّق بأوهام من صنع خياله. فالدين هو سلاح وقوّة من لا قوّة له. في الوقت الذي يظنّ فيه أنّه أصبح قويّا فقد أعلن بصوت عال ذلّه وضعفه وحاجته لمن يدافع عنه.

فإذا أخذنا الآن "السبب بذاته" على أنّه الإنسان، تساءلنا ما هو المقصود بكون الإنسان سببا لذاته؟ وكيف يتجلّى التناقض الداخلي في هذا الاعتقاد؟ يُحكم البعض على الإنسان بأنّه سبب لذاته لأنّهم يعتقدون أنّه يخلق أفعاله بحرّية. وحتّى وإن كانت هناك ضغوطات أو دوافع خارجية فهو لا يستجيب إليها إلاّ بعد الحكم على مشروعيتها وصلوحيتها بحيث تظلّ هذه العوامل مجرّد منبّهات أو حوافز ولا ترتقي إلى مستوى الأسباب المتحكّمة. بتعبير آخر، الاعتقاد في "حرية الاختيار" بمعناها الماورائي، معناه الاعتقاد أن الوعي هو في حدّ ذاته سبب بل أكثر من ذلك يتحكّم في الأشياء ويسيّرها. هذا الموقف في نظر نيتشه هو موقف عار عن الصحّة أو كما سمّاه هو "انتهاك للمنطق". ولسائل أن يسأل كيف يقع الإنسان في هذا الخطإ الجسيم البيّن؟ لماذا يتعسف الإنسان على الواقع ويكذّب الحقائق ويعتبر نفسه "سببا بذاته" وأنّه يمتلك "حرية اختيار"؟ هناك غايتان لذلك في نظر نيتشه. غاية سطحية نفهم من ورائها أن الإنسان يريد أن يظهر في عين نفسه أنّه حرّ، مريد متحكّم في زمام أموره وليس عبدا لأيّ شيء. وأن الوعي الذي لديه يرفعه على مستوى الكائنات الأخرى ويجعله لا يستجيب بشكل ميكانيكي للمؤثرات الخارجية مثل الحيوان. وهناك غاية حقيقية خفية هي رغبته في الضعف. رغبته في تحمّل المسؤولية وتبرئة كلّ ما يمكن أن يعتبر السبب في مصائبه مثل الله والعالم والأجداد والصدفة والمجتمع... يدّعي أن كل ما يحدث له من مصائب هو الذي ألحقها بنفسه. فهو في نهاية المطاف حرّ وسبب بذاته. تصرّفه الأرعن هذا هو في نظر نيتشه كمن "يمسك نفسه من شعره ليسحب نفسه من مستنقع العدم إلى الوجود". إن البطولة التي يدّعيها الإنسان هي مجرّد زعم. هناك نزعة مازوشية وراء هذا الإدّعاء. أن يبرّئ الإنسان الظروف ويعتبره نفسه علّة مصائبه ذلك هو الضعف بعينه وتلك هي التفاهة بعينها. هو كالعبد الذي يرتمي أمام عدوّ يريد بسيّده شرّا فيتلقى الخنجر في صدره لينجو سيّده. إنّه بهذا الشكل يهين نفسه لأنّه يرى نفسه أدنى من سيّده وأنّه يجب أن يموت وينجو سيّده.

فإذا تبيّن لنا أن الإنسان ليس سببا لذاته وأنّه ضحيّة وعيه الذي يصوّر له أنّه حرّ ومريد فهل يعني ذلك أنّه خاضع في سلوكه لأسباب خارجية؟

ثانيا: نقد الاعتقاد في الحتمية وأساسا الحتمية في السلوك الإنساني  (من لنفترض جدلا  إلى قوله ليست إلا خرافة)

كان يمكن أن نقول إن الإنسان خاضع لأسباب خارجية لو كانت هناك أسباب أصلا. لكن الواقع في نظر نيتشه أن الأسباب هي مفاهيم وليست وقائع. واقعيا لا وجود إلاّ لظواهر معزولة عن بعضها البعض ومتماثلة في كونها واقعية ولا وجود لها متمايزة كأسباب ونتائج. والتتابع في الحوادث هو مجرّد تتابع لا أكثر ولا أقلّ. ولكن الإنسان هو الذي يفترض أن السابق سبب والتالي نتيجة. إن الظاهرة السابقة لا تكشف عن نفسها كسبب كما أن الظاهرة اللاحقة لا تكشف عن نفسها كنتيجة. لقد حوّل الإنسان الترتيب الزمني إلى علاقة سببية بناء على تخمين وافتراض أن السابق هو الذي أوجد اللاحق. وهذا هو معنى قول نيتشه " علينا أن نستعمل السبب والنتيجة كمفاهيم صامتة أي كفرضيات اصطلاحية تساعدنا في الإشارة إلى الهدف من العلاقة". واضح أن النقد الذي يوجّه نيتشه للسببية استمدّه من كانط الذي استمدّه بدوره من هيوم. بنقد السببية يصبح العلم جهازا نظريا نعرف به الطبيعة وهو جهاز مصنوع واتفاقي. فالطبيعة مادّة والعلم نظري ولا نفهم كيف وقع استمداد ما هو نظري ممّا هو مادّي. إذا لا يبقى إلاّ أن الإنسان هو الذي فرض معقوليته على الطبيعة فكانت هذه المصطلحات. خلاصة القول إن الإقرار بالسببية كظاهرة واقعية هو حكم لا يستقيم وتبعا لذلك لا يجب أن نتحدّث عن "حتمية سيكولوجية" في السلوك الإنساني.

 إذا كيف يفسّر نيتشه السلوك الإنساني طالما أنّه يرى أن "حرية الاختيار" هي مفهوم يدلّ على سوء فهم الإنسان لسلوكه و"حتمية الاختيار" لا وجود لها؟ على أي شيء ينبني سلوك الأفراد حسب نيتشه؟

ثالثا: نوعية الإرادة هي التي تحدّد سلوك الأفراد  (من لا وجود في الواقع إلاّ إلى نهاية النص)

 ممّا تقدّم يظهر لنا أن نيتشه يرفض كلّيا مفهوم الاعتقاد في وجود الحتمية. وإن كان يرفضها في الطبيعة لأنّها مفهوم وليست ظاهرة، فإنّه يرفضها في السلوك الإنساني على أساس آخر هو أن الإنسان كائن "مريد" وحرّ. فهو ليس مجرّد ظاهرة طبيعية. إذا لا جدال في أن نيتشه يرفض الحتمية ولكن كيف نقول إن نيتشه يرى أن الإنسان حرّ ومريد وقد قلنا سابقا إنّه ينقد "حرية الاختيار"؟ الواقع أن نيتشه لا ينفي حرية الاختيار ولكنّه ينقد فهم الإنسان  لهذه الحرّية. ينظر الإنسان لحرّيته على أنّها أوقعته في الخطيئة ولذلك يستحق العقاب. يرى أنّه قد أساء استغلال هذه الحرية. الواقع أن هذه النظرة نجدها عند البعض وليس كلّ النّاس ذلك أن هناك نوعيْن من السلوك عند النّاس لأنّهما يتأسّسان على نوعيِن من الإرادة. أغلبية النّاس ينبني سلوكهم على إرادة ضعيفة. طموحاتهم محدودة ويركنون للضعف ويفضّلون المهانة ويعشقون الذلّ ويفضّلون وضعية الضحية. هم في الواقع أحرار وبإمكانهم أن يكونوا أقوياء ولكنّهم يحتقرون ذواتهم ولا يجابهون ظروفهم ولا يقاومون ولا يتحمّلون مسؤولية أخطائهم. وهناك فئة ثانية ينبني سلوكها على إرادة قوية. لها رغبة قوية في تحسين ظروف حياتها فتقاوم وتعترف بخطئها عندما تخطئ وتحاول إصلاحها. هذه الفئة مؤمنة بإمكانياتها وقوّتها.

إذا ماذا يريد نيتشه أن يقول باختصار؟ يريد أن يقول إن لا وجود لحتمية في السلوك الإنساني أو الطبيعة. والإنسان حرّ ومريد ولكن يحب أن يعطي الدلالة الصحيحة لحرّيته. فهو ليس حرّا ليتحمّل التبعات الأخلاقية لحرّيته. فهو حرّ بدون ذنب أو عقاب إطلاقا. هناك نوعان من الإرادة: إرادة قوية هي لمن هو حرّ معتدّ بنفسه لا يحمل ذنبا أو شفقة أخلاقية في ممارسة حرّيته وهذا النمط في نظر نيتشه هو الجدير بالوجود. وهناك إرادة ضعيفة هي لمن لا يمارس حقّه في الحياة، مواقفه وأخلاقه تكشف عن ضعفه. لا يتحمّل مسؤوليته تجاه نفسه. يحاول أن يواري ذلّه وضعفه بالدعوة للأخوّة والشفقة والرحمة. يمثّل المتديّنون النموذج المعبّر عن هؤلاء.

النــقــــــــــــــــــــــــد

إن معالجة نيتشه لمسألتي "حرية الاختيار" و"حتمية الاختيار" ليست معالجة فلسفية كما نجدها عند ديكارت أو علمية كما نجدها عند واطسون، وإنّما هي معالجة ايديولوجية. فهو يعالجهما لا للوقوف على حقيقتهما وإنّما لتوظيفهما في إقناعنا بأن النّاس ينقسمون إلى أقوياء وضعفاء.

إن تجاوز نيتشه نقد ما هو كائن (سوء فهم الإنسان لحريته) إلى ما يجب أن يكون (التحلّي بأخلاق الأقوياء)، يدلّ على أن ما يهمّه ليس تخليص الإنسان من الخطإ وإنّما تخليصه من نوعية من الحياة هو يرفضها. يبدو أن مفهوم "الحياة" عند نيتشه يتقدّم على مفهوم "الحقيقة". يبدو نيتشه كنبيّ يبشّر بأخلاق جديدة.

الخاتــمـــــــــــــــــــــة

إن فلسفة نيتشه هي نموذج الفلسفة الإيديولوجية اللاإنسانية التي تكرّس العنصرية. فهي لا تبرّر الصراع فقط بل تخلقه، طالما أن نجاح البعض في طلب القوّة سيكون على حساب الضعفاء. فهذه الفلسفة تدعونا لإعادة النظر في الفصل التقليدي بين الفلسفة والإيديولوجيا وفي الرّوح التقدّمية التي توصف بها الفلسفة عادة.

 

 


Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top