النص 8. اليومي عند عبد الحميد جودة السحّار

ECRITS
0

                                   حسن الولهازي (تونس)

اليومي عند عبد الحميد جودة السحّار

سـجـناء الـيـومـي

(I) بلغ القطار المحطّة في أمان، فتساقط الركّاب عنه كما تتساقط الأوراق عن الشجر في يوم اشتدّ ريحه، و كانوا جميعا من العمّال، فساروا يتحدّثون فيحدثون صوتا كدوّي النحل، و راحوا يسيرون في نفس الطريق الذي قطعوه آلاف المرّات قبل يومهم هذا، و كانوا يدبّون كسلحفاة لا ينظرون أمامهم، و لا يلتفتون حولهم، بل ينطلقون كما تنطلق الدواب التي عرفت طريقها من كثرة ما دبّت عليه. انطلقوا و ما فكّروا قطّ في يومهم. و لم يفكّرون؟ فأيّامهم جميعها متشابهة. ففي الثامنة صباحا يدخلون، و في الحادية عشرة يفطرون، و في الثالثة ينصرفون،(II) وكان الأمل الوحيد الذي يداعبهم أثناء عملهم، لو تتكرّم عقارب الساعة الكبيرة، المثبتة في الفناء الواسع المواجه للورش، فتدور بسرعة، حتّى تبلغ الثالثة، لينصرفوا شاكرين، و لتسترح بعد ذلك ما شاءت لها الراحة، فما أصبح دورانها يعنيهم بعد انفلاتهم من سجنهم. كانوا ينظرون إلى ورشتهم نظرتهم إلى سجن بغيض، و كانوا في ذلك جدّ معذورين، فأسوار الورشة الخارجية، و شبابيكها العالية، المزدانة بالقضبان الحديدية، لا تذكّر المرء المتفائل إلى بالسجون. (III) و بلغوا الباب الخارجي الكبير فدلفوا و على وجوههم غبرة، فما كانوا يحبّون عملهم، و لو لا مسيس الحاجة إلى تلك الدريهمات التي يتقاضونها ليسدّوا بها  رمقهم، ما دلفوا أبدا من ذلك الباب البغيض إلى نفوسهم.

                                 عبد الحميد جودة السحّار

               "في الوظيفة" (مجموعة أقاصيص)، مكتبة مصر، القاهرة، 1944

ملاحظة: الأرقام الرومانية في النصّ، موضوعة لبيان محاور النص و ليست موجودة في النصّ الأصلي.

التمهيد

يعتقد بعض الناس أن  المصائب الحقيقية هي الكوارث التي تعترضهم في حياتهم و تقطع السير الهادئ لحياتهم اليومية  مثل حوادث الشغل أو التعرّض للسرقة أو الظلم أو  الاعتداء من الغير. و تبعا لذلك يعتبرون أن الفرد السعيد و الناجح هو الشخص الذي يحيا حياة هادئة رتيبة، أي ذلك الشخص السليم، المنضبط في حياته، الناجح في عمله و القائم بواجباته.

فهل صحيح أن حياة هذا الشخص - و الذي عادة ما يكون هو الشخص العامّي- هي الحياة النموذجية التي يجب أن نتّبعها؟ أ لا يمكن أن يخفي هذا المظهر الهادئ و السعيد في هذه الحياة، مصائب أخرى خفية ليست من ذلك النوع المذكور في البداية؟

الاغتراب aliénation: فقدان الإنسان لإحدى خصائصه الجوهرية كالحرية و الوعي و المبادرة..)

الإشكالية

ما هي مخاطر اليومي و هل من سبيل لتجاوزها؟

أطروحة الكاتب

اليومي عبارة عن سجن لا نتحرّر منه مبدئيا إلا بتحسين الظروف المادّية للعامّي.

الـمحــاور

І. الرتابة تقتل التفكير و تحوّل العامّي إلى مغترب.

ІІ. وعي العامّي بسجن اليومي غير كاف للخروج منه.

ІІІ. السبيل إلى إخراج العامّي من سجن اليومي هو مبدئيا تحسين ظروفه المادّية.

الـتـحـلـيـل

شبّه الكاتب العمّال بـ 4 تشبيهات. ما هي؟

شبّه الكاتب العمّال بأوراق الشجر التي تتساقط عند هبوب الرياح، وشبّههم بالنحل الذي يطنّ كما شبّههم بالسلحفاة التي تدبّ و أخيرا شبّههم بالدّواب التي تعرف طريقها. هذه التشبيهات تصوّر الواقع المهين و المرير الذي يعيشه العمّال. هؤلاء العمّال تسيّرهم العادة و الغريزة مثل الحيوانات.

ماذا نستنتج من قول الكاتب "انطلقوا و ما فكّروا قطّ في يومهم. و لم يفكرون؟ فأيّامهم متشابهة"؟

نستنتج أن هؤلاء العمّال مغتربون لأنّهم يفتقدون للوعي الحقيقي بما يقومون به. فحركاتهم اليومية أصبحت بفعل التكرار لاواعية. كما أنّهم يفتقدون للحرية و الإقبال على الحياة و الرغبة في الإطلاع و الاكتشاف.

II. هل أن العامّي واع بمأساته؟

العامّي واع بمأساته الحياتية و لكن غير واع بمأساته الوجودية. و وعيه بمأساته الحياتية غير كاف لوعيه بمأساته الوجودية. من جهة مأساته الحياتية هو لا شكّ واع بأنّه محكوم فيه، يقول الكاتب "كانوا ينظرون إلى ورشتهم نظرتهم إلى سجن بغيض". العامل في الورشة و العامّي عموما يعي أنه يحيا في ظروف تعيسة فمشكلته هي مع في الفقر و المرض و النضال اليومي من أجل الغذاء. و لكن على افتراض أنّه وقع تحسين ظروفه المادّية فهل يعني ذلك أنّه تخلّص من سجن اليومي؟ طبعا لا نستطيع أن نجيب بنعم ما لم يع بمأساته الوجودية، ما لم يسأل عن علاقته بالوجود و التاريخ و المجتمع و باختصار ما لم يتساءل عن وضعه في هذا العالم. الأثرياء الذين يشغّلون العمّال لديهم، يظلّون هم أيضا سجناء اليومي مثلهم مثل عمّالهم ما لم يأخذوا في التفلسف أي ما لم يضعوا وجودهم موضع تساؤل.

إن وضعية الفقراء و المرضى و السجناء و الجهلة هي لا شكّ وضعية تعيسة و لكن لا يعني ذلك أن الأثرياء و الأصحّاء و السجناء و المتعلّمون (علماء، أطباء، مدرّسون، مهندسون، ...) هم في الوضعية المثلى، هم أفضل من غيرهم فقط. و لا يكونون في الوضعية المثلى إلاّ عندما يأخذون في التفلسف. الفيلسوف هو الوحيد الذي تخلّص من سجن اليومي من الناحية النظرية طبعا.

الـنـقـد

من غرائب الأمور أن اليومي و نحن ملتصقون به و نحياه يوميا و نحتك بمكوّناته لا نعي به حقيقة. أو بالأحرى لا نعي بخطورته. لا بدّ من مجهود ذهني يمكّن الفرد من أن يتجاوز بذهنه وضعه و ينظر إليه من بعيد حتّى يدرك عفونة المستنقع الذي يحيا فيه. في الأشياء التي نحتك بها هناك أشياء توقظ الشعور   مثل  بعض المشاهد الطبيعية و هناك أشياء أخرى تنشّط الوعي مثل بعض الأفلام وهناك مشروبات تحسّن المزاج، عكس ذلك هناك كلام يعكّر المزاج ومشروبات تولّد الألم و و أشياء تغيّب الوعي مثل المخدّرات. اليومي من الأمور التي تغيّب الوعي. مدمن المخدّرات لا يعي أنّه يسير نحو الهاوية و حتّى  عندما يعي بمأساته لا يستطيع أن يتخلّص من عبوديته. العامّي هو أيضا يعيش نفس الوضعية. إما غير واع بإغترابه أو غير قادر على التخلّص منه. فهو إمّا غير واع أو عاجز وفي كلتا الحالتين هو مستعبد.

 اليومي بما يمثلّه من التزامات و واجبات و صرامة هو كالأغلال التي تشدّ أطراف السجين و عنقه و تمنعه من الحركة و الالتفات إلى نفسه.

 

 

 

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top