11. موقف أرسطو من الخطابة

ECRITS
0

                                                                        حسن الولهازي (تونس)

موقف أرسطو من الخطابة


المؤلف: أرسطو(384 ق م -322 ق م)

الكتاب: الخطابة تعريب عبد الرحمان بدوي

الأساليب المقنعة في الخطاب

"الخطيب يُقنع بالأخلاق إذا كان كلامه يُلقى على نحو يجعله خليقا بالثقة، لأنّنا نستشعر الثقة على درجة أكبر وباستعداد أوسع بأشخاص معتبرين في كلّ الأمور بوجه عام، لكن إذا أعوز اليقين و كان ثمّ مجال للشكّ فإنّ الثقة تكون مطلقة. و هذا الضرب من الإقناع، مثل سائر الضروب، ينبغي أن يحدث عن طريق ما يقوله المتكلّم، لا عن طريق ما تظنّه النّاس عن خُلُقِه قبل أن يتكلّم. و ليس صحيحا – كما يزعم بعض الكتّاب في مقالاتهم عن الخطابة – إن الطيبة الشخصية التي يكشف عنها المتكلّم لا تسهم بشيء في قدرته على الإقناع، بل بالعكس، ينبغي أن يعدّ خُلقه أقوى عناصر الإقناع لديه. ثمّ إنّ الإقناع يمكن أن يتمّ بواسطة السامعين إذا كانت الخطبة مثيرة لمشاعرهم. فأحكامنا حين نكون مسرورين ودودين ليست هي أحكامنا حين نكون مغمورين ومعادين. و نعتقد أن معظم الذين يصنفون في الخطابة اليوم يميلون إلى توجيه كلّ جهودهم نحو إحداث هذه الآثار (...). و أخيرا فإنّ الإقناع يحدث عن الكلام نفسه، إذا أثبتنا حقيقة أو شبه حقيقة بواسطة حجج مقنعة مناسبة للحالة المطلوبة."

                                  أرسطو من كتاب "الخطابة" ترجمة عبد الرّحمان بدوي

                               دار الشؤون الثقافية العامّة، آفاق عربية، بغداد 1986 ص 29 ، 30

Aristote, « La Rhétorique », I, 1356a, trad. Médéric Dufour

Ed. Gallimard. Paris. 1991, pp. 22-23

تمـهـيـــــد

إن الخطابة - ككلّ عمل إنساني - لها غاية. و غاية الخطيب هي إقناع السامعين بأفكار معيّنة. و عملية الإقناع مسألة خطيرة إذ قد تكون مفيدة للسامع فتقنعه بحقائق و تغيّر شخصيته نحو الأفضل و قد تكون مضرّة به إذا كان هدفها مغالطة السامعين. و سواء كان هدف الخطيب الإفادة أو المغالطة و سواء كانت هذه المغالطة عن قصد أو عن غير قصد، فإن هناك أساليب معتمدة في الإقناع.

الإشكالية

فما هي الأساليب المستخدمة في الخطاب من أجل الإقناع؟

الـمـحاور

I. الأسلوب الأوّل: السلوك الأخلاقي للخطيب (إلى قوله"أقوى عناصر الخطاب لديه")

II. الأسلوب الثاني: مؤهلات السامعين (إلى قوله "نحو إحداث هذه الآثار")

III. الأسلوب الثالث: الخطاب المنطقي نفسه (بقية النصّ)

الـتحليل

I. السلوك الأخلاقي للخطيب

عندما يكون الخطيب معروفا بأخلاقه السامية فإن ذلك يكون باعثا على تصديق السامعين له. تتعدّي الثقة فيه إلى الثقة في خطابه. يمنح السامعون ثقتهم في الخطاء المعرفون بنزاهتهم و أخلاقهم السامية في كلّ المسائل بشكل عام، فما بالك بالمسائل المعقّدة و الغامضة. هنا بالفعل يحتاجون أكثر للمساعدة و لا يصدّقون إلاّ من كان جديرا بالثقة. في الحالة التي يصعب فيها على السامع بلوغ منطق الخطاب، يستنجد بنزاهة الخطيب.

II. مؤهّلات السامعين

يعتقد البعض أن فهم السامع و اقتناعه بما يسمع يتوقّف على مؤّهلاته المعرفية، و لكن الواقع أن الحالة النفسية التي يكون عليها تتدخّل في ذلك هي أيضا. فنحن نصدّق بسرعة ما نريده أن يحدث، و عكس ذلك نكذّب ما لا نريد حدوثه. نتحمّس كثيرا للخطبة التي تثير مشاعرنا و نمدح خطيبها و بالمقابل نشمئزّ من الخطبة التي تحبطنا و نذمّ خطيبها حتّى و لو كان يقول الحقيقة. بعض الخطباء في مجال الدين يقول ترّهات و أساطير تثير السخرية و مع ذلك يصدّقها بعض الجهلة لا لشيء إلاّ لأنّ ذلك يتماشي مع تديّنه. يبدو أن الإنسان يفضّل الوهم المريح على الحقيقة المزعجة.

III. الخطاب المنطقي نفسه

في الحقيقة، قيمة الخطاب تُسْتَـمدُّ من سلامة الخطاب نفسه. و الخطاب السليم هو ذلك الخطاب المنطقي أي لا يتعارض مع العقل و الواقع. هو خطابٌ يتضمّن في ذاته القدرة على الإقناع. مثال عندما أقول أن أضلع المربّع متساوية أو أن مجموع زوايا المثلث مساوية لـِ 180 درجة أو أن الجزء أصغر من الكلّ أو يستحيل أن يفوق الأب ابنه في العمر أو الصخرة يستحيل أن تسير في الفضاء من تلقاء نفسها ... فهذه مسائل بديهية و لا تحتاج لأنّ تصدر عن عالم جليل لنصدّقها. إن الحقيقة تفرض نفسها كحقيقة.

تعليق

المشكل في الأسلوب الأوّل و هو التصديق انطلاقا من نزاهة الخطيب فيه إشكال فمن أدرانا أن هذا الخطيب الذي سلّمنا بأنّه نزيه مازال كذلك؟ فكم من خطيب نزيه باع ضميره و تحوّل إلى بوق دعاية للدفاع عن الحاكم و تبرير تسلّطه، فيظهر في شكل حَمل وديع و لكنّه في الواقع هو ذئب خبيث. وبخصوص الأسلوب الثالث و هو منطقية الخطاب. هل الحقيقة لها من القوّة ما يجعلها تفرض نفسها كحقيقة؟ هل الحقيقة نَعْلَمُهَا مسبقا و لا يبقى إلا أنّنا ننبّه إلى ذلك، أمْ نَتَعَلّمُها كما نتعلّم شيئا نجهله؟ هل هناك فرق من حيث الطبيعة بين الحقيقتيْن التاليتيْن: خطّان متوازيان لا يلتقيان و تناول الملح بكثرة يولّد ارتفاع ضغط الدم؟ هناك من يرى أن الحقيقة "الخطّان المتوازيان لا يلتقيان" هي حقيقة بديهية نقتنع بها بمجرّد سماعها و كأنّنا لا نتعلّم شيئا مجهولا و إنّما ننبّه لشيء نعرفه مسبقا. بينما حقيقة أنّ الملح يرفع ضغط الدّم، فهذه معلومة نجهلها و نتعلّمها بالفعل. لذلك القول إن الحقيقة تمتلك قوّة الإقناع في ذاتها يجب تنسيبه. فالحقائق تختلف و ليست كلّ الحقائق مقنعة بذاتها. ربّما ينطبق ذلك على الحقائق الرياضية و الهندسية ولكن لا ينطبق على كلّ الحقائق. و حتّى القول إن الحقائق الرياضية مقنعة بذاتها فيه إشكال أيضا بدليل أنّنا نتعب في تعليم الأطفال الرياضيات. و منهم من يخطئ حتّى في أبسط المسائل الرياضية. لماذا تختلف مستويات الناس في الرياضيات إذا كانت حقائقها بديهية ومقنعة للجميع؟ يبدو أن البداهة التي تظهر لنا بها  هذه الحقائق، تكون كذلك بعد التعلّم و ليس عند سماعها لأوّل وهلة.

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top