الوَأْدُ
إستيقظتُ متعبًا ، مرهقا و قد تجمّدت أطرافي . مددت يدي في الظلام إعتقادا مني أنني سأجدُ طاولة الفانوس الكهربائي قرب السّرير و لكن ...إرتطمت يدي بجدار. ماذا ؟ و إختبرت المكان بيدي . يا إلاهي ، ما هذا؟ إنّه ...قبر ...و ما كدتُ أستوعب الموقف حتى سارعت بالإنتصاب وفي نيّتي الفرار كما يفرّ شخص وجد نفسه على حافة هوّة سحيقة و لكن أين الفرار ؟ فما أن تحركت حتى إرتطم رأسي باللّحد و سَرت قشعْريرة في جسدي . آه يا ويلي...لقد دُفنتُ . و تذكرتُ أنني كنت مريضا في المستشفى وكان أهلي يزورونني و يبدو أو مما لا شك فيه أنني متُ بسكتة قلبية أو ما شابه ذلك و دفنوني . ألم أسمع عن أناس إستيقظوا قبل الدفن؟ ولكن حظي العاثر جعلني أستيقظ بعد الدفن. يا ربّ ...يا أرحم الراحمين، خلِصني من هذا العذاب فليس لي غيرك . هذه الجملة يرددها الناس يوميا في محلها وفي غير محلها أما أنا فقد قلتها بكل جوارحي . قلتها بكل خشوع و قد إغرورقت عيناي بالدموع . و فجأة أجهشت بالبكاء ، بكاء أشبه ما يكون بالأنين و هو نفس البكاء الذي بكيته يوم دفت والدي . أتراني اليوم أبكي على نفسي لأني متُّ ؟ و لكن مازلت حيّا . ما زلت حيّا . و لكن أية حياة هذه وأنا مدفون في جوف الأرض؟ فعند الناس أنا ميت وفي نظري أنا حيّ ، فلا أنا ميت في نظر نفسي ولا أنا حيّ في نظر الناس. أنني أكاد أجنّ و ليتني جُننت فعلا . ها أنا أطلب الموت و أتمنى الجنون و لكن أنّى لي بهما ...يا إلاهي ماذا أفعل الآن و فوق لحدي من الحجارة و التراب ما تنوء بحمله الجمال؟ من سيسمعني لو ناديت و مقبرتنا بعيدة عن البلدة؟ وفجأة لمع في ذهني سؤال : هل نحن في الليل أم في النهار ؟ و لكن لماذا أقول "نحن" و ما بيني و بين الناس هو ما بين الحياة و الموت؟ إن زماني ليس زمانهم ، هم في النور دائما أما أنا....وأجهشت بالبكاء من جديد، بكاء المغلوب على أمره. أما أنا فمع الموتى . فالمقبرة مخيفة، موحشة،وخاصة في الليل وقد نكون في الليل . هل يعني ذلك أن أشباح الموتى تتراقص فوق قبري....وتجمّد الدم في عروقي وحبست أنفاسي وظللت أتنصّت علّي أسمع حشرجة أو أي صوت وشعرت بالغثيان وإتكأتُ على جنبي الأيمن كي أتقيأ ولكن لم أجد ما أتقيؤه ، كنتُ جائعا. يا إلاهي أقتلني و أرحمني فأنا عبدك الضعيف. أكاد أختنق ، ليتني على الأقل أستطيع الجلوس لقد تعبت من التمدد ، أريد أن أقف ، أن أجري ، أن أركض بدون توقف . آه...ما أحلى الحياة و لكن من يدرك قيمة ذلك؟ وإنقلبت لأتمدد على بطني ثم تكوّرت على نفسي و أسندت يدي إلى رأسي وأحسستّ بحرارة أنفاسي و رحتُ أفكر في ماضيَّ . وبدا لي إنني إرتكبتُ حماقات عديدة . فلماذا كنت قاسيا مع زوجتي ؟ وما كان عليّ أن أشتكي جاري للقضاء فأي ضَيْر في أن يلعب أبناؤه الصغار أمام بيتي . كم أنا مشتاق لرؤية زوجتي . لو أقابلها لأعتذرنّ لها و أحدثها عما حصل لي فهي رغم خلافاتنا، الوحيدة التي تفهمني و تتأثر بكلامي. ليتني أخطر ببال كل من عرفني. آه...لو أعود للحياة من جديد ...ولكن ما جدوى العودة للحياة وقد أدفن كما دفنت هذه المرة ؟ ولكن عفوًا لو عدت للحياة لأتخذتُ الإحتياطات من أجل ميتة لا رحعة بعدها و لن يكون ذلك إلاّ بالتنبيه على إبني الأكبر أن لا أدفن إلا بعد ثلاثة أيام . ثلاثة أيام بدون نقصان. لماذا يتلهفون على دفني ؟ وماذا يقلقهم مني أن أظلّ هنا أو هناك؟ لقد إستغلّوا فرصة إنهياري و ضعفي فعبثوا بي كما أرادوا. إن الإنسان لا يفيده غير نفسه . ها أنني بمجرد أن فقدتُ الوعي حتى تخلصوا مني و طردوني من حياتهم . كان حريّ بهم أن يتأكدوا من وفاتي أوّلا . أما الأطباء ...فالويل كل الويل لهم . لماذا يتسرّعون في الحكم على مرضاهم بالموت؟ لو كنت أعرف أنني سأكون ضحيتهم لأعلنت رغبتي في التبرّع بأعضائي في حالة وفاتي و عندما أموت أمزق ، فيأخذون حاجتهم و يتركون بقايا جثة لا يمكن للحياة أن تعود إليها. و لكن فات الأوان الآن. و فجأة خطرت ببالي فكرة لماذا لا أنبش في التراب و أكوّنُ نفقا كما يفعل السجناء الخطيرون في دهاليزهم. و مددت يدي أتحسّس الجدار فبدا لي أنه مبني بالأسمنت، وأعملتُ أظافري في الجدار فإذا هو إسمنت بالفعل و بذلك إنقطع الرجاء. وصحت صيحة مدوّية ثم تكوّرت على نفسي أنتظر الموت في صمت.