في المراهقة الفكرية
تتميّز الفلسفة بخاصّيتين رئيسيتين: هما النقد والتأسيس. وقد تتغلّب إحدى الخاصّيتين على الأخرى في بعض الفلسفات ولكنّهما توجدان في كلّ فلسفة جديرة بهذا الإسم. أمّا أن تنبني الفلسفة على النقد والسؤال فذلك يعني أن الفيلسوف تنتابه الشكوك في ما تلقّى من معارف. يرى أن كلّ ما يحيط به يستدعي التفكير والتأويل. أمّا خاصّية التأسيس فتتمثّل في مشاركة الفيلسوف في بناء المعرفة الإنسانية وذلك بطرح تحليل منسجم للموضوع الذي يتناوله. ويمكن أن نعبّر عن هاتين الخاصّيتين بلفظتيْ الهدم والبناء. وتجسّم فلسفة ديكارت بوضوح هاتين المرحلتين.
فمن ينكر أصالة تفكير أفلاطون في المعرفة أو تفكير ديكارت في المنهج أو فلسفة كانط في العقل أو فلسفة نيتشه في الأخلاق... كلّ من قرأ كتب الفلاسفة لا شكّ قد شعر بأنّهم يعالجون بالفعل قضايا وأنّهم يطوّرون معرفة الإنسان بذلك الموضوع فهم منتجون في حقل الفلسفة.
أمّا اليوم فقد نشأت بعض الإتجاهات الفكرية وإقتحمت ميدان الفلسفة رغم أن لا صلة لها بالفلسفة بالمفهوم الحقيقي، بل الأجدر تسميتها: مراهقة فكرية. هذه التسمية معبّرة فعلا عن الصفات الشخصية لأصحاب هذه الإتجاهات الفكرية. فأصحاب هذه الإتجاهات لا يختلفون في تفكيرهم عن تفكير المراهق.
فما هي خصائص المراهقة وما صلتها ببعض الفلسفات المعاصرة؟
يشعر المراهق بالغربة عن مجتمعه ويتصوّر أنّه غير مفهوم من قبل غيره وعوض أن يتواضع ويندمج في مجتمعه، تزيده هذه الغربة غرورا وكبرياء. وهكذا يغدو المراهق من جهة منطويا على نفسه ومن جهة ثانية ثائرا، ناقما على الأوضاع وناقدا لكلّ ما يعرض له. يظهر لنا من هنا أن الفيلسوف والمراهق يلتقيان في نقد الأوضاع. ولكن بين نقد هذا ونقد ذاك فرق كبير.
إن الفرق الجوهري بين الفيلسوف والمراهق فكريا هو أن الأوّل ينقد ليبني ويعرف، بينما المراهق ينقد ليثبت وجوده. فالأسباب الداعية للنقد عند الفيلسوف معرفية وموضوعية، بينما أسباب النقد عند المراهق فكريا هي نفسية وذاتية. إنّ مشاكل الفيلسوف هي مشاكل الإنسان حتّى الفلسفات التي تظهر لنا ذاتية هي في جوهرها إنسانية. لذلك كتب سارتر " الوجودية فلسفة إنسانية" عندما أُتهمت الوجودية بأنّها فلسفة ذاتية. أما المراهق فكريا فيعكس في آرائه مشاكله الشخصية البحتة. فما هي "الأطروحة النظرية" للمراهقين فكريا؟ وما هي السمات المميّزة لتفكيرهم؟
إن المراهقين فكريا مثل المراهقين حقيقة لا يعجبهم شيئا فهم ساخطون، ناقمون على كلّ شيء. فهم يتحدّثون عن الإغتراب والإستغلال والجريمة المعقلنة وكأن الأوضاع المأسوية التي يحْيَوْنَها تحدث لأوّل مرّة وهي خاصّة بعصرهم. يتحدّث هؤلاء عن أوضاعهم حديث المتأفّف الذي يدين أكثر مما يصلح، حديث من يرى نفسه ضيفا على هذا العالم، وعلى هذا العالم أن يكرم وفادته. يعتقد هؤلاء المراهقون فكريا أنّهم يشرّفون العالم بحضورهم أكثر مما يشرّفهم هو بتواجدهم فيه. لذلك كان على العصر الذي وجدوا فيه أن يكون العصر الذهبي الذي تسوده الأخوّة والتعاون ولما لا الشيوعية. فلسفة هؤلاء هي فلسفة البكاء والصدمة من الواقع السائد. هل يعني ذلك أنه علينا أن نتصالح مع الإستغلال ونقبله كأمر حتمي. أبدا!! فكل فلسفة لم تنشأ إلا لأنّ الفيلسوف يجد في واقعه ما لا يرتاح إليه. ومع ذلك لم يقف فاغر الفاه، ولم يقل أنّه وُجد في غير عصره، عكس ذلك قاوم وطرح حلولا. بينما أنصار العدمية بكبريائهم الملائكي ونزعتهم المثالية يعتبرون أنفسهم غرباء عن عصرهم، فيبتعدون عن مجتمعهم ليبكوا على الأطلال وأن تكلّموا زادوا في تعميق الجرح الإنساني. إن أنصار المطالبة بالعصر الذهبي لا يعملون مثل الفلاسفة على تحقيقه ولكنّهم يريدونه جاهزا.
قد يعترض على هذا الموقف بالقول إنّ من حقّ أيّ إنسان أن ينقد ويشرّع لواقع أفضل. طبعا لا تقدّم بدون تشريع ولكن شتّان بين التشريع عند الفلاسفة والتشريع عند المراهقين فكريا. فالفيلسوف وإن كان يحاكم بعض السلوكات وبعض الإعتقادات وبالتالي يشرّع ما يجب أن نسلكه وما يجب أن نعتقده، فإنّه يظلّ ينشط داخل التاريخ الإنساني. وعمله هو مساهمة في بناء الحضارة. على نقيض ذلك يحاكم المراهق فكريا الحضارة الإنسانية ويتعالى على التاريخ. ففي حين يظل تشريع الفيلسوف تشريعا إنسانيا أي أنّه تشريع محدود ومتواضع، يبدو تشريع المراهق فكريا، بدون وعي من صاحبه، وكأنّه تشريع إلهي للإنسان أي كتشريع مطلق.
هذا الفرق بين نمطيْ التشريع يرتبط بالإختلاف بين نوعين من المثالية. لاشك أن كلّ مشرّع مثالي من حيث أنه يقفز على الحاضر ويتعلّق بمشروع نظري، ولكن مثالية الفيلسوف تدعو لتجاوز وضع راهن بينما مثالية المراهق فكريا تدعو لتجاوز ما بعده تجاوز. لذلك فتصوّرات الفيلسوف للواجب وإن كانت مثالية، فهي مثالية محدودة متضمّنة في التاريخ. بينما مثالية المراهق فكريا هي مثالية مطلقة لأنّها متجاوزة للتاريخ، أي أنّها لا تدعو للواجب الحيني وإنّما للواجب المطلق.
يترتّب عن هاتين المثاليتيْن المختلفتين، موقفان مختلفان من الإنسان. فرغم وعي الفيلسوف بأن الواقع الإنساني يجمع بين الحاكم والمحكوم، بين السيّد والعبد، بين الظالم والمظلوم...إلاّ أنّه لم يصل إلى القول أن هناك ممارسات لاإنسانية فما يقوم به الإنسان مهما كان يجب أن يحمل على الإنسان. فالإنسان مشروع تاريخي مفتوح لم تتحدد معالمه بعد. ورغم ما حصل في التاريخ، وما يحصل الآن من ممارسات تدعو للقرف إلا أن الفيلسوف بعيدا عن التشاؤم المقيت والسلبية ظلّ ينادي بضرورة قبول الإنسان وإصلاحه وتحريره من الإستغلال والإغتراب والجهل. فالظالم والمستبدّ والدكتاتور والمنحرف والمجنون هم بشر في نهاية الأمر.فلماذا لا يكون المستبدّ الذي يعذّب ضحاياه هو نفسه ضحيّة الجهل والأنانية والعقد النفسية. بعيدا عن هذه النظرة الإصلاحية والإنسانية النضالية، فإن ّ المراهقين فكريا يطالبون الإنسان بإمتلاك صفات معينة ويحاكمونه على أساس ذلك. هؤلاء لهم تصوّر مثالي للإنسان أي لهم مواصفات معيّنة للإنسان فمن كانت صفاته تتطابق مع تلك الصفات المضبوطة بطريقة متعالية، غدا إنسانا وإلاّ نعت بالحيوانية وطرد من الحضيرة الإنسانية. يرفض هؤلاء المراهقون فكريا أنّ يفهموا الإنسان، يرفضون أن يفهموا لماذا كانت هناك جرائم ترتكب بإسم العقل والإنسانية. ثمّ كيف يحاكمون الإنسان ويشترطون عليه أن يكون وفق ذلك النموذج والحال أن هذا النموذج هو نموذجهم هم، فهل يعقل أن يكون الفرد إمّا ملتزما بتصوّرهم عن الإنسان وإلاّ ما إعتبر إنسانا. بصنيعهم هذا لا يختلفون عن المستبدين الذين ينقدونهم. هناك رئيسيّتان في التعامل مع المشاكل الإنسانية. هناك طريقة تقبل المشكلة وتسعى لمعالجتها وهي الطريقة الحكيمة وهناك طريقة لا تعالج المشكلة وإنما تبحث في عدم حصولها. لنأخذ مشكلة معيّنة ولتكن مرض السّيدا مثلا. هناك من يرى أنّه لا بدّ من معالجة هذا الدّاء وأخذه كمشكل إنساني وهناك من يرى أن مرضى السيدا ليسوا أهلا للمعالجة أو العناية لأنّهم مسؤولون عن مرضهم وقد ساروا إلى حتفهم بأنفسهم. ويرون أن أفضل سبيل لمعالجة هذا الدّاء هو ترك المريض يتخبّط في مصيبته وهكذا يكون عبرة لغيره. هذا هو منطق أولئك الذين لا يساعدون الإنسان وإنّما يشترطون عليه أن يكون نموذجا. هذا المنطق الأخير هو منطق المراهقين الحالمين بالعصر الذهبي وهو منطق مفتقر للحكمة والمعقولية والواقعية.
إن أغلب النّاس يفرّقون بين الخطأ والصّواب ولكن هل كلّ من يعرف الصواب يتبعه وكلّ من بعرف الخطأ يبتعد عنه؟ طبعا لا!! ولو حصل ذلك لما كانت هناك دولة وقوانبن وأخلاق ومحاكم وسجون... ولو عاملنا كلّ فرد يرتكب خطيئة بإرادته لأضطررنا لمحاكمة البشرية. إضافة إلى ذلك فلن يكون هناك تطوّر جدّي في الحضارة بإعتبار أن تطوّر الحضارة ينبني على إكتشاف الحلول لتلك المشاكل المستجدّة.
هؤلاء المراهقون فكريا يخاطبون الفرد بمنطق "ليس لدينا ما نفعله لك كان عليك أن..." وهكذا بمنطقهم هذا، فالذي يرتكب حادث مرور، يجب أن لانداويه لأنّه كان عليه أن يحتاط أكثر، والذي يصاب بمرض السيدا يجب أن نتركه لأنّه ما كان عليه أن يكون شاذّا، والإبن الذي يرتكب جريمة، على والديه أن يتركانه يعاني لأنّه لم يعمل بنصائح العائلة. فأي منطق هذا الذي يتحدّث عنه هؤلاء الجلاّدين الذين يتستّرون تحت رداء الإنسانية وهم أعداؤها. إن الإنسانية عالجت ولاتزال تعالج مشاكلها. وفي هذه المعالجة لا تنتقي مشكلة دون أخرى، تاركة هؤلاء المراهقين بتشاؤمهم المقيت وموقفهم المثالي ومنطقهم اللاواقعي يبكون على العصر الذهبي الذي لم يوجد ولن يوجد.
هذا النقد المعرقل للحضارة عند المراهقين فكريا يخفي وراءه هروبا من المسؤولية كما يخفي الغرور والتكبّر. إنّ النقد ليس عملية مبتذلة ولكنّها للأسف ابتذلت وأصبحت ملجأ للفوضويين.
نشرت بمجلّة "الإتحاف" التونسية العدد 70 جوان 1996