حسن الولهازي (تونس)
السلطة بين التنظيم والتسلّط
إنّ الأسرة هي المناخ الثقافي الأوّل الذي يحتكّ به الطفل لذلك فإنّ المواجهة بين الطفل والأسرة عادة ما تكون حادّة. هذا التقابل بينهما هو تقابل بين الطبيعة والثقافة، فالطفل يرغب في تلبية غرائزه الحيوانية بكلّ حرّية ويرفض الإنضباط ويعتبر سلطة الأسرة سلطة جائرة وفي المقابل تعتبر الأسرة أن الطفل غير متأدّب بل أكثر من ذلك أناني. وفي الحقيقة فإنّ دور سلطة الأسرة هامّ جدّا من حيث أنّه يلحق الطفل بالنوع الإنساني ويكسبه وعيا. صحيح أنّ ذلك لا يتمّ بدون كبت ولكنّه كبت ضروري، فليس هناك إنسان بدون كبت. قد يختلف الأنا الأعلى من شخص إلى آخر في شدّته ولكن لكلّ إنسان سلطة داخلية يستمدّها في البداية من الأسرة وهي التي تجعله إنسانا.
عندما يكبر الطفل قليلا يُرسل إلى المدرسة وهناك يواجه سلطة المعلّم، فعليه أن يحترم أوقات الدراسة ويقوم بواجباته ويتبع نصائح المعلّم في الجلوس والقيام والكتابة، وفي التعامل مع زملائه. كثيرا ما يضجر التلميذ من سلطة المدرسة متّهما المرّبي بالتسلّط والتكبّر. ورغم كلّ شيء يظلّ للمعلّم فضل كبير على كلّ تلميذ. فإذا كانت الأسرة تقحمنا في المجتمع، فإنّ المدرسة تقحمنا في إطار الإنسانية. فقدرات التلميذ العديدة كالقدرة على تحليل الأمور ونقد الأوضاع وإتخاذ المواقف الرصينة وإبتكار المصنوعات...يعود الفضل في إمتلاك الطفل لها للمعلّم.
ولمّا يشبّ الطفل ويختلط بأفراد المجتمع يكتشف وجود سلطة أخرى هي سلطة المجتمع أو سلطة الأخلاق وهي تلك السلطة التي تفرض نفسها على كافة أفراد المجتمع دون أن يتولّى ممارستها أحد منهم. ما من أحد يأمر ولكن الجميع يطيعون. الجميع يحترمون العادات والتقاليد ويحافظون عليها. ليس هناك شخص معيّن يمارس السلطة ولكن كلّ فرد في المجتمع يمكن أن يتكلّم بإسم المجتمع ويمكن أن يستخدم وسائل الضغط أو الإقناع المشروعة متى كانت الغاية من وراء ذلك المصلحة العامّة. ليس هناك عقاب فعلي في هذه السلطة. وشكل العقاب المستخدم هو الإحتقار والسخرية والمقاطعة. فالمجتمع هو الذي يحدّد قيم السّلوكات، هناك الضروري والمستحسن والممنوع. فالفرد الإجتماعي بحكم نشأته في ذلك المجتمع يتبع تلك القيم. فما ذهب في ظنّ روسّو أنّه صوت الضمير الفطري هو في نظر دوركهايم صوت المجتمع وما يجعله يبدو لنا وكأنّه صوت فطري هو أن مرحلة النضج لاحقة عن مرحلة التكوين. في المجتمع يشعر الفرد أنّه ليس حرّا في سلوكه كما يشعر أنّه مراقب وهذا يشعره بالحرج والقلق. إضف إلى ذلك فإن الفرد يشعر أنّه ملزم بعادات وتقاليد بالية لا تدلّ على حكمة وقد لا تتلاءم مع الحياة المعاصرة. يمكن للفرد أن يتجاوز الكثير من العادات إذا أراد ذلك ولكن في اللحظة التي يفكّر فيها بتجاوز إحداها يشعر بقوّة تدفعه للإستمرار في الطريق الذي رسمته العادة وسار عليه الأجداد. لا نشعر بإلزام الواجب على صورة ضغط خارجي على إرادتنا لأنّه ينبثق من داخلنا، من الأنا الإجتماعية والتي تغطّي الأنا الذاتية. هذا الضغط الذي تولّده سلطة المجتمع علينا قد يفهمه البعض سلبيا. على نقيض ذلك يعتبر برغسون أن هذا الضغط الإجتماعي أو سلطة المجتمع وكذلك العادات والتقاليد هي التي تحقّق التماسك في المجتمعات البشرية. فلو كان لكلّ فرد سلوك خاصّ به وغريب عن سلوك غيره تماما لما كان هناك نظام في الحياة الإجتماعية وبالتالي لما كان هناك مجتمع. فالعادات الإجتماعية هي نظير تلك الحتمية الصارمة التي تتحكّم في المجتمعات الحيوانية. إنّ الحيوان منضبط طبقا لطبيعته، فسلوكه محدّد، ولكن الإنسان يجب أن يتعلّم الإنضباط ويدرك أن من مصلحته إحترام غيره ولكن هل أن كلّ فرد يلتزم بما قرّرته المجموعة؟ نظرا لأنّ العقاب الإجتماعي محدود الفاعلية، فإن هناك خرق للعرف وللأخلاق بل أكثر من ذلك هناك إعتداءات وإنحرافات وجرائم. من هنا كانت سلطة الدولة أو السلطة السياسية.
الدولة لا تتدخّل بالنصح والإرشاد وإنّما تتدخّل لتطبيق القانون. فلماذا لا يمكن أن توجد أيّة فئة إجتماعية بدون سلطة أخلاقية أو سيّاسية؟ السبب هو أن الإنسان ليس مفكّرا فحسب وإنّما لديه أهواء جامحة ورغبات لا تشبع ولديه كما يقول كانط "مزاج لا إجتماعي يدفعه إلى الرغبة في توجيه كلّ شيء على هواه" ومع ذلك يمكن للسلطة أن لا تظهر دائما بمظهر الضغط والإكراه خاصّة إذا كان الأفراد يدركون قيمة القانون. فالفلاسفة الذين وقفوا إلى جانب سلطة الدولة إعتمد أغلبهم على أن الإنسان له نوازع حيوانية كما أنّه لا يقدر أن يعيش منفردا. فإبن خلدون يرى أن الإجتماع الإنساني لا يوجد بدون أن تنشأ صراعات وخلافات لذلك لا بدّ من وازع يزع بعضهم هم بعض أي سلطة تنظر في خلافاتهم. ويرى هوبس أن الشرّ هو الصفة الطاغية على الإنسان. يقول "الإنسان ذئب للإنسان". فالإنسان ميّال بطبعه لإستعمال العنف لأنّه عدواني. ولفرويد نفس موقف هوبس وابن خلدون من الإنسان. لهذا السبب، الدولة ضرورية ولولاها لساد قانون الغاب وكان الضعيف تحت رحمة القويّ. لا شكّ أن الفرد يفقد بوجود الدولة حرّيته الطبيعية ولكنّه يربح مقابل ذلك الأمن والإستقرار.
يتبيّن لنا ممّا سبق أن السلطة ضرورية في حياة الإنسان. فكلّ سلطة لها وظيفة معيّنة. فهي ترشده وتعلّمه وتحميه من إعتداء الغير ولكن أيضا تمنعه من أن يعتدي على غيره. فلا أحد ينكر ضرورة السلطة في حياة الإنسان إنطلاقا من سلطة الأسرة مرورا بسلطة المدرسة والمجتمع إلى سلطة الدولة. ولكن هل أن كلّ شخص أوكلت له مهمّة ممارسة السلطة يمارسها كتطبيق للواجب أو القانون؟
لا شكّ أن بعض الأفراد يجدون أنفسهم ضحايا سلط تتجاوز حدود الواجب. فكم من أب يسيء تربية أبنائه وكم من أمّ مهملة لشؤون أبنائها وزوجها وكم من معلّم حوّل أمراضه وعقده لتلاميذه وكم عدد المجتمعات التي ترسّخت فيها عادات بالية متحجّرة لا يقدر أي فرد أن يفلت من قبضتها، وكم من زعيم سيّاسي وعد الجماهير بمشاريع هامّة وبتحقيق الديمقراطية فمتى رُشّح أعمل سيفه في رقاب الناس. إذا يشهد الواقع أن ليس كلّ من كان في منصب السلطة هو أهل لها. فما هو مقياس التفريق بين السلطة الإيجابية المفيدة والسلطة السلبية الدكتاتورية؟ ما هو الحدّ بين المشروع واللامشروع في نشاط السلطة؟
عندما ننظر في الواقع نكتشف أن كلّ طرف يشتكي، فالأب ينعت ولده بالعقوق والإبن ينعت والده بالتزمّت. والمعلّم ينعت التلميذ بالكسل، والتلميذ يرى أن المعلّم يطلب المستحيل. والمجتمع ينعت الذي لا يحترمه بالشذوذ، والفرد ينعت المجتمع بالتحجّر والتخلّف وصاحب السلطة السيّاسية ينعت الشعب بالتمرّد والشعب ينسب للمسؤول السيّاسي الإضطهاد. تكشف هذه التشكّيات عن مبالغة كلّ طرف في نقد الآخر وفي محاولة إلقاء المسؤولية عليه. نعرف مسبّقا أن المتصرّف في السلطة لا يمتلكها. فممارسة السلطة هي وظيفة كبقية الوظائف الأخرى، من المفروض أن لاتضفي على صاحبها إمتيازا أو تفوّقا ونعرف ثانيا أن كلّ فرد بدون إستثناء يجب أن يخضع للواجب. فصاحب السلطة يجب أن يعرف الواجب ويطبّقه هو أوّلا ويطالب الغير بتطبيقه. وهكذا عندما يفرض على الغير تطبيق الواجب يكون هو أوّلا قد خضع له. إذا عندما يأمر صاحب السلطة بإسم الواجب وبإسم القانون بحيث يكون هو نفسه في خدمة القانون، ساعتها نتحدّث عن سلطة إيجابية. وهكذا فإنّ الفرد الذي يتّبع أمر صاحب السلطة، لا يتّبع صاحب السلطة وإنّما الواجب الذي يمثّله. لكن عندما يلقي صاحب السلطة أمرا تبعا لرغبته أو مزاجه أو منفعته، نقول عن هذه السلطة أنّها سلطة جائرة.
ورغم أنّنا وصلنا إلى تحديد الفرق بين السلطة الجائرة والسلطة القانونية، إلا أن ذلك لا يعني أن مشكل السلطة قد حلّ نهائيا إذ من يحدّد الواجب والحقّ والقانون؟ في مجال السياسة هناك هيأة تشريعية تشرّع القانون. ولكن ليس كلّ من يمارس سلطة مقيّدا بالقانون فهناك من هو مقيّد بالواجب فقط. وهذا حال الأب في الأسرة، والمعلّم في المدرسة، ومدير الشركة في المصنع...وحول تحديد الواجب هذا يكثر الجدل إذ قد يحصل إختلاف بين صاحب السلطة ومن تمارس عليه، حول ما هو واجب. فقد يعتبر الأب أنّ من الواجب أن لا يطيل إبنه شعره مثل الفتاة. وسلوك كهذا في نظره مسّ بشرف العائلة وعلامة من علامات سوء الأدب والشذوذ. وقد يعتبر الإبن أن والده يدعوه لعادة بدائية غير مؤسسة واقعيا أو عقليا. وقد يعتبر مدير الشركة أن من واجب الموظفين الحضور في الوقت المحدّد للعمل، بينما يعتبر الموظّف أن الواجب يكمن في الإخلاص للعمل وفي المردودية، إذ يمكن أن يحضر الموظّف في أوقات العمل بدون تأخير ومع ذلك يظلّ كامل الوقت يتكاسل. فهل يكمن الحلّ في تقنين كلّ علاقة بشرية كما هو الحال بين السلطة السيّاسية والشعب. هل يجوز مثلا أن نضع قانونا دقيقا يسود علاقة الأب بإبنه وعلاقة الأخ بأخيه والمعلّم بتلاميذه؟ وعلى إفتراض أننا وضعنا قانونا فقد يرفضه الطرفان ويعتبرانه تسلّطا من قبل من وضع القانون.