زوجتي وفعل القشة في ظهر البعير
إن إرتباطي بزوجتي لا
أفهمه إلا على أنّه عقاب لي من الله رغم أنّني لا أذكر أنني آذيت أحدا. زوجتي –سامحها
الله- إمرأة خبيثة بالفطرة فهي موهوبة في
حبك الإستفزازات. اكتشفت بعد عقدين من الزمن طريقتها الخبيثة في إقلاق راحتي. فهي
تتعمّد القيام بأعمال سيّئة ولكنّها بسيطة. وهذا هو السرّ. السرّ يكمن في أنّها
سيّئة وبسيطة معا. فإن أعدّت الطعام تعدّه بتأخير بسيط فأضطرّ بسبب ذلك لإزدراد
اللقمة بلهفة والخروج بسرعة. فلو لم تعده لكان اللوم عليها، ولكن تعدّه بتأخير
بسيط معتبرة أن التأخير البسيط ليس كارثة. وإن ساعدت الولد في إعداد دروسه، تصبّّ
عليه جمّ غضبها وتنعته بأقذر النعوت. وسبق أن لفتُّ نظرها إلى ضرورة مساعدته
والتلطّف معه حتّى لا ينفر من الدراسة. فلا تستجيب لطلبي و تعيد ما سمعتُه منها
آلاف المرّات بأن هذا اللّوم البسيط يدخل في التربية وتتحوّل إليّ متّهمة إيّاي
بالتسامح المفرط والطيبة الساذجة وفي النهاية أرفع الرّاية البيضاء حسما لهذا
اللغو. وتواصل الإستفزاز من جهتها والصبر من جهتي لسنوات عديدة وفي كلّ إختلاف
يتلاشى الكلام البذيء ويندثر السلوك السيّئ، ولكن تمتلئ نفسي كرها وحزنا وألما
ويترسّب في قرارة نفسي سخط عميق عليها وعلى من خلّفها وعلى المدرسة التي درّستها.
وانفجرت يوما، لم أمدّ يدي عليها
ولكن من فرط غضبي لعنتها ولعنت والديها. أرغتْ وأزبدتْ ولم ينقض ذلك اليوم حتّى كان
أخوها حاضرا. استفسر مني الأمر. فقلت له إن أخته لا تقيم وزنا لكلامي فقد نبّهتها
عشرات المرّات على أن لا تترك المكنسة متكئة على جدار ممرّ المدخل. فالممرّ ضيق
ويمكن لأيّ شخص أن يصطدم بما يوجد فيه، ولكنّها لا تستجيب لهذا الطلب.
وصرخ نسيبي: "الهذا السبب
تلعن أبي وأمي. من أجل مكنسة متكئة على جدار ممرّ لم تتسبّب في أذى؟"
قلت له إن عرض الممرّ متر ووجود
المكنسة فيه استفزاز للمارّ لأنّها تأخذ من مساحة الممرّ ولن يمرّ في راحة. علاوة
على ما تسبّبه من ألم نفسي عندما يشعر أنّها ليست في مكانها. اضف الى ذلك فقد طلبت
منها عديد المرّات أن لا تضعها هناك، ووضعها رغم طلبي بل رجائي هو ازدراء لأوامري
والمشكلة لم تعد في وجود المكنسة هناك، بل في الإستخفاف بأوامري. ضرب أخوها كفّا
بكفّ وقال مستغربا: "أمن أجل مكنسة يحصل كلّ هذا...تلعنها وتلعن والديها وتهدّدها
بالضرب... كان بإمكانك أن تحملها من هناك وتحسم الخلاف."
-
حصل هذا عديد
المرّات ولعنت الشيطان عديد المرّات قبل أن ألعنها. حملت المكنسة من هناك عديد
المرّات وتغاضيت عن رؤيتها عديد المرّات، لكن أختك مثل ذيل الكلب لا ينعدل. أنت
تأخذ الحادثة على أنّها تحصل لأوّل مرّة ولذلك تستغرب وترى أنّها لا تستحقّ هذا
الهرج. ولعلمك أيّها النسيب المحترم أن هناك من اصطدم بالمكنسة وتعثّر.
-
ايه... أكيد
أنه تعثّر بسيط... ولم نسمع أنّه حصل مكروه.
واعترتني
سورة من الغضب، فقلت له:
-
أنا أحدّثك
بإعتبارك أفهم من أختك، ولكن بقولك هذا ستضطرّني أن أقطع الحوار... ماذا تنتظر؟
تنتظر أن تنكسر عظام أحدنا حتى يصبح ما أقوله حقّا؟ أليس الأجدر بك أن تنه أختك عن
هذا النكد الذي تسبّبه لي؟
وخرج أخوها لا يلوي على شيء...
وتنفّست الصعداء... استلقيت على الأريكة وأغمضت عينيّ ورحت أفكّر في الحادثة من
جديد. هل أخطأت في حق زوجتي؟ اليس الأمر تافها بالفعل ولا يستحق كلّ هذا الإنفعال؟
فكّرت في وضعي وأطلت التفكير فوقفت على فكرة سريت عنّي. نستغرب عادة من سلوكات بعض
الأفراد ونعتبرها ردود فعل ضخمة على حوادث تافهة. الآن عرفت السبب. من الناس من
يقوم تجاهك بأعمال سيّئة ويقول لك كلاما بذيئا ويستفزّك بمختلف الحركات ولا يذهب
إلاّ وقد ملأ نفسك غيضا وكرها وحزنا وألما. ويذهب هو في سبيل حاله ويتلاشى كلامه
ويندثر سلوكه ولكن يستقرّ ذلك الغيظ في النفس. وكلّما تكرّر الإستفزاز، يتضخّم ذلك الغيظ. وفي النهاية يحصل أوان
الإنفجار ويظهر وكأنّه حاصل لأسباب تافهة ولكن الواقع أن سبب هذا الإنفجار هو غيظ
دفين ومتضخّم في النفس. ولله درّ العرب عندما يصفون أمرا ما ب"أنّه القشّة
التي قصمت ظهر البعير". فالقشّة لا تقصم ظهر البعير عندما تكون الأولى
ولكن يكفي أن نستمرّ في وضع القشّات حتّى يأتي وقت يقصم فيه ظهر البعير بمجرّد
إضافة قشّة واحدة لما سبق من القشات الموضوعة. فهل هذه القشّة هي التي قصمت ظهر
البعير؟ نعم ولا. نعم لأنّ كلّ ما سبق من القشّات لم يقصم ظهر البعير ولولاها لما
قصم ظهره. ولكن لو أنزلنا ما تمّ وضعه من قشّات فوق ظهر البعير ووضعنا تلك القشّة
فقط فوق ظهره، لما قصم ظهره. إذا هناك قشّة سوف تقصم ظهر البعير ولكن على شرط أن
تكون مسبوقة بقشّات أخرى. هذا المثال يوضح لماذا ينفجر الإنسان غيظا جرّاء
استفزاز بسيط .