32. هل للإنسان مطالب روحية مستقلّة عن مطالبه الجسدية؟

ECRITS
0
                                                                                   

حسن الولهازي (تونس)

هل للإنسان مطالب روحية مستقلّة عن مطالبه الجسدية؟


     غريبة من الغرائب العديدة في هذا العالم، هي أن الإنسان الذي يسعى لإكتناه ما يحيط به وينظر لنفسه على أنّه ذات عارفة تتسلّط على المواضيع الخارجية وتدرسها، مازال إلى اليوم يجهل من نفسه أكثر ممّا يعرف، وليس المقصود بذلك جهله الإجابة عن تلك الأسئلة الميتافيزيقية من قبيل: من خلق الإنسان؟ وما هي الغاية من وجوده؟ وإنّما جهله الإجابة عن أسئلة واقعية تتعلّق بجسده وروحه ولغته ومجتمعه وحاضره... ولعلّ من بين الأسئلة الهامّة في هذا الصدد هو التساؤل عن العلاقة بين روحه وجسده.
نقول عن المعرفة عادة أنّها مطلب الرّوح، ونقول عن الغذاء أنّه مطلب الجسد. والتساؤل عن العلاقة بين الرّوح والجسد يمكن تناوله إنطلاقا من التساؤل عن علاقة المطالب الرّوحية بالمطالب الجسدية. فهل أن مطالب الإنسان الروحيّة مستقلّة عن مطالبه الجسدية؟ هل أن المطالب الرّوحية لها بالفعل ماهية مستقلّة أم هي منضوية بشكل ما تحت مطالبه الجسدية؟
تتمحور مطالب الإنسان الجسدية حول الغذاء والماء والهواء والكساء والمأوى... والغاية من تلبية هذه المطالب أو الحاجيات الجسدية هو الشبع والإرتواء، وكأنّ توفير هذه الحاجيات هو الضريبة التي على الإنسان دفعها من أجل البقاء(1).
 الشقّ الثاني من مطالب الإنسان هو الشقّ الذي يتعلّق بالمطالب الروحية أو معنوية. وهذه المطالب يمكن حصرها في مطالب معرفية وشعورية. نقول عنها مطالب بتردّد لأنّ من المبالغة إعتبار كلّ الناس يطلبون المعرفة أو يهمّهم "الغذاء الرّوحي" إن صحّ التعبير. لنسلّم جدلا وبشكل أوّلي أن المطالب الرّوحية هي مطالب إنسانية ولا تهمّ بعض الأفراد بحسب، فما هو محتوى هذه المطالب.يمكن تقسيمها إلى نوعين:
هناك مطالب عقلية ترتبط عموما بالبحث عن المعاني والأفكار والقوانين. وهذه المطالب نجدها بشكل رئيسي في الأسطورة والدين  والعلوم والفلسفة...
وهناك مطالب شعورية ذوقية ترتبط بالبحث عن الجمال والإستمتاع الرّوحي، ونجدها في الفنون بمختلف أنواعها كالموسيقى والرّسم والنحت...
 غاية المطالب الرّوحية عموما سواء كانت معرفية أو شعورية هي الطمأنينة والسعادة والسكينة(2).
 نستنتج ممّا سبق أن الإنسان ولأنّه يتكوّن من جسد وروح له مطالب جسدية ومطالب روحية ومثلما يبحث عن الإرتواء والشبع عبر إستهلاك مواد غذائية، يبحث كذلك عن المعرفة والإستمتاع الرّوحي عبر الإطلاع على الأفكار وكذلك عبر الإحساس بالجمال. ثنائية الجوهرين (جسد،روح) والمطلبين (غذائي، معنوي) لطالما أثارت إشكاليات منها: هل أن المطالب الرّوحية مستقلّة عن المطالب الجسدية؟
 إن طرح السّؤال بهذا الشكل يثير مشكلة الأولوية والجدوى لهذه المطالب.
 قبل الغوص في الوقائع لنتناول السؤال من الناحية النظرية. لو نخيّر عالما  جائعا بين إشباع  لجسده وإشباع لروحه فأكيد أنّه سيختار الغذاء وهل أمامه حلّ آخر غير هذا؟ وحتّى لو فضّل الإشباع الرّوحي فهل سيجد القدرة على فهم نظرية دقيقة أو الإستمتاع بحفلة موسيقية وبطنه خاوِ؟ ولنخيّر الآن شخصا آخر شبعان ولكنّه في فقر روحي (الجهل والبعد التام عن الفنون)، نخيّره بين إشباع لجسده وإشباع لروحه. فقد يطلب الإشباع الرّوحي وقد لا يطلب شيئا. ولو نخيّر الآن شخصا ثالثا جائعا وفي فقر روحي بين إشباع جسدي وإشباع روحي، فأكيد أنّه سيطلب الغذاء أوّلا.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المطالب الرّوحية تأتي في مرتبة ثانية. بل أكثر من ذلك يمكن الإستغناء عنها وهذا عكس المطالب الجسدية. فالحيوانات موجودة وتتناسل رغم انعدام وعيها. لكن ألا تعني إمكانية الإستغناء عنها تبعيّتها للمطالب الجسدية والتي هي أساسية في حياة كلّ الكائنات الحيّة؟
 إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي النظر في وجهة المطالب الرّوحية وغايتها.
 إنّ أهمّ مطلب من مطالب الرّوح هو المعرفة وعندما ننظر في علاقة المعرفة بحاجات الجسد نقف على عدّة حقائق مذهلة.
 أوّل هذه المعارف التي تخدم الجسد مباشرة هو الطبّ. والآن نفهم لماذا العلاج مكلف و الأدوية باهضة الثمن لأنّ تجّار القطاع الصحّي يدركون أن حماية الجسد تأتي على رأس الأولويات فيستغلّون ذلك. فقد تكلّف عمليّة جراحية المريض ثروته وقد يزيد عليها دينا. وتدخل الصيدلة والعلوم الفلاحية في هذا الباب. فهذه توفّر الأدوية وتلك تبحث في إستغلال أفضل للمحيط الطبيعي. وكلّ ذلك في سبيل علاج الجسد وتحقيق حاجياته من غذاء وكساء ومأوى...
إذا يمكن القول إن الهدف الأوّل والرّئيسي للمعرفة هو حماية الجسد وعلاجه.
 الهدف الثاني هو راحة الجسد وتعظيم قدرته. وهنا يظهر بوضوح دور الهندسة والتقنية. وهي مسألة لا تحتاج لتوضيح. فالإنسان اليوم قادر على التحليق في الفضاء والغوص في أعماق البحر وهدّ الجبال ومدّ الطرقات وبناء السّدود...
 تبيّن لنا هذه الأمثلة أن المعرفة وهي المطلب الرّوحي الأوّل هي في خدمة المطالب الجسدية: بقاؤه حيّا، ووقايته، وعلاجه، وراحته، والرفع من قدرته...  ولكن المعرفة لها أشكال عديدة وليست فقط الطبّ والصيدلة والعلوم الفلاحية والهندية والتقنية، ألا تدخل الميتافيزيقا والفلسفة عموما في خانة المعرفة؟ وإذا كان الأمر كذلك -وهو لا شكّ كذلك- سألنا ما علاقة الميتافيزيقا مثلا بخدمة الجسد؟ ماذا سيستفيد الإنسان ماديّا عندما يسأل هل الكون متناهي أم لامتناهي؟
 قد تبدو الإجابة بنعم مضحكة للوهلة الأولى. ولكن تلك هي الحقيقة فمطالب الجسد التي تحدّثنا عنها إلى حدّ الآن ليست إلا جانبا من الغرائز وهو ما يسمّه فرويد (1856-1939) غريزة الحياة. ولكن هناك جانب آخر للغريزة وهو ما يمكن أن نسمّيه الميولات النفسية للغريزة. ومبرّر هذا التوسيع في مفهوم الغريزة هو أن هذه الميولات النفسية تهدف إلى حماية الجسد هي أيضا سواء كان ذلك عند الإنسان أو الحيوان. في ما يخصّ الإنسان هذه الميولات النفسية للغريزة أي غريزة حبّ البقاء هي الأرضية للميتافيزيقا. فالميتافيزيقا وحتّى الأديان هي محاولة لعقلنة الواقع حتّى يتمّ الإطمئنان إليه.
فإذا سلّمنا أن كلّ المعارف بما فيها المعارف التي تبدو موغلة في التجريد تخدم المطالب الجسدية لأنّها إستجابة لغريزة حبّ البقاء وهي غريزة تتعلّق بالجسد في نهاية المطاف، فما قولنا في الجانب الثاني من المطالب الرّوحية وهو الإستمتاع الرّوحي بالجمال؟ الظاهر أنّه يصعب إعتبار الرغبة في الإستمتاع بالجمال، رغبة جسدية. فهل سيحقّق الإستمتاع بمناظر الطبيعة أو الإستمتاع إلى الموسيقى إشباع الجسد؟ هذه النتيجة تجعلنا نقرّ أن إنسانية الإنسان حقيقة أي القطع الحقيقي مع الغرائز والحيوانية لا يبدأ مع المعرفة ولكن يبدأ مع المشاعر السامية وأهمّها الشعور بالجمال.        
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - والملاحظ في هذا الصدد أن إستهلاك الكائن الحيّ للغذاء هو تحويله إلى مادّة أخرى هي جسمه. فالإنسان عندما يتناول الخبز والخضر واللّحم وغيرها، تتحوّل هذه المواد إلى ما يكوّن جسمه وهو اللّحم والعظام والدّم والعروق... والغريب أننّا لو نعطي نفس الطعام لطفل ولجرو (كالخبز واللّحم وكلّ الأطعمة التي يمكن يأكلاها معا) فستكون المواد التي تحوّل الجرو إلى كلب، هي نفسها التي تحوّل الطفل إلى شابّ. فكلّ جسم حيّ يحوّل المواد التي يستهلكها إلى تطوير أعضائه وليس إلى تحويلها. قانون من قوانين الحياة. والحمدلله أن الأمور تجرى كذلك. إذ لو كانت الأعضاء تتشكّل وتتغيّر حسب نوعية الغذاء لا حسب النظام الداخلي العضوية  l’organisme لكانت كارثة ولأصبح كلّ إنسان نباتي، حيوانا من آكلات العشب، ولأختلطت الأجناس والأنواع.
(2)- نقول ذلك بإحتراز لأنّ هذا الحكم يثير مشاكل من ذلك مثلا، ما علاقة الرقص –وهو فنّ- على إيقاع موسيقى صاخبة بالطمأنينة والسعادة والسكينة؟ هذا السّؤال دافع لإعادة التفكير في الجدوى الرّوحية لبعض الفنون.




Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top