17. الإنتظار

ECRITS
0

 حسن الولهازي (تونس)

الإنتظار


   لا أكره شيئا في حياتي، قدر كرهي للإنتظار. أمقته وأتجنّب التعرّض له ما إستطعت. وأتعذّب عندما أنتظر. لا أنتظر أمرا أو شخصا إلاّ بمزاج متعكّر، ونفس منقبضة وقلب متوجّس. أرفض الإنتظار لأنّني أراه شكلا من أشكال الإحتياج والتوسّل والضعف والوضاعة. ولا أذكر أن هذا الكره نشأ عندي في فترة من فترات حياتي. فأنا منذ أن وجدت، وجدت نفسي أكره الإنتظار.
 إذا تنقّلت أفضّل السير على الأقدام أو ركوب وسيلة نقل أملكها حتّى ولو كانت درّاجة، على إنتظار وسيلة النقل العمومي. وإذا اضطررت إلى ركوب وسيلة نقل عمومي، فإنّني استقلّ اوّل وسيلة نقل تحلّ، حافلة كانت أم تاكسي أم قطار.
 وأتذّكر أنّني طوال حياتي الدراسية، كنت آخر من يلتحق بقاعة الدرس، لا لشيء إلاّ لأنّي أكره إنتظار الأستاذ. ولا يعني ذلك أنّني من الذين يحرصون على إيلاء الوقت قيمة كبيرة أو هم في عجلة من أمرهم. لا كلّ ما في الأمر أنّني أكره الإنتظار لأنّه إقترن لدّي بالضياع، بالعبث، بإنعدام الحيلة.
 ورغم أن لحظات الإنتظار كلّها مكروهة لديّ، إلا أنّها متفاوتة الكره. وأشدّها عليّ جميعا لحظة الإيواء إلى الفراش للنوم. فمن شدّة رغبتي في النوم بسرعة وخوفي من الأرق، يجفاني النوم، وأظلّ أتلطّخ في الفراش. في تلك اللحظة تنقضّ عليّ الهواجس من كلّ حدب وصوب وكأنّها تنتظر الفرصة، وأظلّ أتقلّب من جنب إلى آخر، وكأنّي بذلك أدفعها بعيدا. أثناء النهار أشعر أنّني أملك اللحظة، أملؤها بما أريد، وأنشغل بما أراه صالحا، وهكذا أحصّن نفسي من الهواجس. ولكن هذه الأنشطة غير ممكنة في حال إنتظار النوم . لذلك ومنذ مدّة لا أذهب إلى الفراش إلا في الحالة القصوى من التعب، لدرجة أنّني أجد صعوبة في فتح عينيّ بحيث أكاد أنام وأنا في طريقي إلى الفراش.


Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top