هل تمارس أدوات التواصل دورا سلطويا؟
هناك فرق بين المجتمع والمجموعة. المجتمع يتكوّن من أفراد لكلّ منهم هويّة
وعلى أساسها ينسج علاقات مع بقية أفراد المجتمع. فالنادل بإعتباره كذلك يتعامل مع
روّاد المقهى والتاجر بإعتباره كذلك يتعامل مع الزبائن والطبيب مع المرضى وهكذا...
على نقيض ذلك فإن تشكيل أفرادٍ لمجموعة معيّنة لا يقتضي بالضرورة أن يعرف أفراد
المجموعة بعضهم البعض أو تكون بينهم علاقات مثال ذلك ركاب حافلة. فما يجعل المجتمع
يختلف عن المجموعة هو وجود علاقات بين أفراده وإنعدام وجودها في المجموعة. وبديهي
أن لا تكون هناك علاقات حقيقة بين أفراد المجتمع إلاّ بوجود تواصل فعلي بين
أفراده. ولا شكّ أن الحاجة تلعب دورا كبيرا في توسيع نطاق التواصل. هذا التواصل
يتمّ بأشكال متعدّدة فإلى جانب اللغة التي تعدّ أهمّ وسائل الإتصال نجد الإشارات
الجسدية signaux والعلامات signes
(كعلامات الطريق مثلا) والمعلّقات الإشهارية في الشوارع... في التواصل هناك باثّ ومتقبّل والغاية من وراء عملية التواصل هي مبدئيا الإعلام، ولكن الواقع
أنّه يجب أن يترتّب عن هذا الإعلام سلوكات تلبّي حاجات وتحقّق مصالح كالبيع
والشراء والتعليم والعلاج...
فهل أن الأمور تجرى كذلك أي إعلام وعمل أم أن الباثّ في الوقت الذي يُعلم
فيه يستميل المتقبّل ويؤثّر عليه لغاية نفعية تخدمه هو وتضرّ بالمتقبّل وتستغلّه؟
وبتعبير آخر هل أنّ وظيفة أدوات التواصل إخبارية تربوية تنظيمية وبالتالي إنسانية
أم وظيفتها إيديولوجية إقتصادية سيّاسية وبالتالي إستغلالية؟
تعدّ اللّغة الأداة الأكثر
فعالية في عملية التواصل. فبإكتسابها يكتسب الطفل أيضا الشخصية الأساسية لمجتمعه
ويندمج في محيطه. وإكتساب اللغة هو معرفة أن جملة من الأصوات لها ما يقابلها من
المعاني. ونسمّي عادة هذه الأصوات بالدّوال signfiants
والمعاني بالمدلولاتsignifiés فالدّال هو
الصورة الصوتية والمدلول هو المعنى الذي يفهم من الدّال أي الصوت. فهل هناك
نزعة سلطوية أودعها المجتمع في اللغة؟
نعم هناك نزعة سلطوية في اللغة وتتجلّى في ثلاثة مستويات:
المستوى الأوّل: الربط بين الدّال والمدلول
حصل ولم يساهم الفرد في إيجاده والأهمّ من كلّ ذلك حتّى ولو حاول الفرد بينه وبين نفسه
وعلى مستوى نظري أن يغيّر هذه العلاقة أي أن يسوق ذهنه كي يتأتّى له معنى آخر غير
معنى الصوت الذي سمعه، لما أمكنه ذلك. تخيّل شخصا يسمع صوت "حمار" ويريد
أن يفهم من هذه الكلمة معنى "حصان". هذا مستحيل. سلطة اللغة على الفرد
تتجلّى في أنّها هيكلت الذهن هيكلة صارمة بحيث بمجرّد أن تسمع الدّال يتأتّى لذهنك
وغصبا عنك المعنى الذي يطابقه.
المستوى الثاني سلطة اللغة تتجلّى أيضا
في إضطرار الفرد لإحترام العلاقة بين الدّال والمدلول في التعامل اليومي مع بقية
أفراد مجتمعه إن أراد أن يقضي حاجاته ولا تتعطّل مصالحه. تخيّل شخصا يذهب إلى تاجر
ويطلب منه أن يزن له رطلا من الحليب. طبعا سيكون موضع سخرية وسيعود بخفي حنين.
المستوى الثالث الذي تتجلّى فيه سلطة
اللغة على الفرد هو أنّه بمجرّد أن يستمع لكلام معيّن حتّى تصدر عنه حركات معيّنة
قولا أوفعلا، وكأنّ اللغة لها طاقة سحرية عجيبة، فهي تحرّك بدون لمس. يمكنك أن
تقول لشخص "اخرج من بيتي" كما يمكنك أن تدفعه بكلتا يديك خارجا دون أن
تكلّمه. وسيلتان مختلفتان تحقّقان نفس النتيجة. لكن الأولى تتمّ بدون لمس أن
الثانية ففيها لمس. فهذه الجملة "أخرج من بيتي" تفعل فعل القوّة
المادية. وما كان ليحصل ذلك لو لم يكن هناك إيمان بمشروعية الكلمات من الجهتين من المتكلّم
والسامع. فالمتكلّم يعرف مسبّقا المعنى
الذي سيفهمه السامع، والسامع فهم المعنى الذي يرمي إليه المتكلّم. وكلاهما يؤمن
بفعالية الكلمات.
نستخلص ممّا سبق أن الدور السلطوي
للغة يتجلّى في أنّها تهيكل أذهاننا في التفكير وتلزمنا بالنطق بخطاب معيّن يتناسب
مع حاجاتنا وكذلك تدفعنا للتنفيذ بعد السّماع.
فهل هناك أداة تواصل أخرى يتجلّى
فيها دور سلطوي على الفرد؟
لتقديم معلومات عن السّلع المعروضة
للبيع، تعمد الشركات المنتجة لها إلى إلصاق بطاقات عليها توضّح مكوّناتها
ووزنها ومدّة صلوحيّتها ومنافعها وحتّى كيفية الإستفادة منها وغيرها من
المعلومات... ويظهر ذلك خاصّة في المواد الغذائية والأدوات التقنية مع الفارق في
المعلومات حسب خصوصية كلّ إنتاج. هذه المعلومات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة. هل
يولي الناس قيمة لهذه الملصقات؟
إختلاف حاجات الناس وإختلاف وضعهم
الصحّي والخوف من الوقوع في الزلل يجعلهم يولون قيمة كبيرة لهذه الملصقات. إذ أن إستخداما
خاطئا لهذه المواد قد تكلّف الفرد حياته. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الفرد لا يحتك
بالأشياء مباشرة وإنّما يمرّ إليها عبر هذه البطاقات الملصقة عليها. وعادة ما
يشكّل تصوّرا حول الشيء المصنّع إنطلاقا من البطاقة الملصقة عليه، في حين أن الحكم
السليم من المفروض أن يكون لاحقا عن التجربة ولا يسبقها. فعوض أن يحتك الفرد بالسلعة
مباشرة كأن يتذوّها ويشمّها ويستخدمها
يشكّل تصوّرا حولها، يتخذ منها موقفا إنطلاقا من اللغة وبعد ذلك يجزم أنها حلوة أو
مرّة وهولم يذقها. هكذا أصبحت اللغة هي البديل عن الشيء.
يرى برغسون( 1859- 1941 ) أن اللغة
قد حدّت من تعامل الإنسان مع الواقع. فهو يصدّق ويقدّس تلك البطاقات الملصقة إلى
حدّ بعيد وهو ضحيّة لها.
قد يكون هذا الخضوع لسلطة البطاقات
الملصقة مفيدا خاصّة عندما تكون هذه البطاقات تعلن –بصدق- عن مواد خطيرة. لكن يكون
المستهلك ضحية بحقّ عندما يصدّق كليّا ما تروّجه الشركات المنتجة عن رفعة منتوجها.
فكم من شامبو "رفيع" أتلف شعر صاحبه عوض أن يقضي على القشرة.
فهل تجاوزت الشركات الرأسمالية في مجتمعنا المعاصر هذا الخداع وقرنت
الإشهار بالأخلاق؟
المجتمع لم
يلغ البطاقات الملصقة ولكن تجاوزها إلى ما
هو أعمق تأثيرا إنّه: الصورة. طغيان الصورة في مجتمعنا المعاصر جعلت غي ديبور Guy Debord (1931-1994) يسمّي مجتمعنا مجتمع
الصورةLa Société du spectacle . والفرجة حسب دي
بور هي مجموعة من الصوّر المؤثرة على المشاهد والتي تمسّ مختلف المجالات، ويظهر
ذلك خاصّة في الإشهار عن طريق الصوّر والمعلّقات والإعلانات والتلفزة والصحف
والمجلاّت والأنترنت... جهاز كامل من الدعاية لوضعية معيشية راقية. يمسّ الإشهار
في مجتمع الفرجة بشكل أساسي المجالات التالية:
مجال الإستهلاك: ترغّـب الشركات
الرأسمالية المستهلكين في سلعتها بالإدّعاء أن فائدتها لا مثيل لها.
مجال الثقافة: الإشهار للحفلات
الموسيقية والعروض المسرحية والأمسيات الشعرية والمعارض الفنّية.
مجال السياسة: الإشهار لحضور الخطب
السيّاسية والإجتماعات الحزبية.
فهل يمكن أن ننظر لوسائل الإشهار
في مجتمع الفرجة على أنّها أدوات سلطوية تمارس ضغطا على المشاهدين؟
عالم الفرجة يضمّ أفضل ما يمكن أن
يوجد من أشخاص وماكولات وآلات ولباس وغيرها... إنّه يطرح نفسه كعالم من النماذج ما هي نتيجة هذه الدعاية لهذا العالم؟
النتيجة هي الإنبهار بهذا العالم
ومحاولة التقرّب إليه بأيّ شكل و التحوّل عن الواقع التعيس إلى هذا العالم الرّاقي
والمثالي في نظر العامّي. فيصرّ الأطفال على أن يأكلوا المأكولات التي شاهدوها في
التلفزة، وتصرّ المراهقة على حضور حفلة الفنّان اللبناني الوسيم، ويصرّ الإبن على
شراء الدرّاجة اليابانية الضخمة التي شاهدها في اليوتوب. وتغلق البنت على نفسها باب
غرفتها لتتعلّم رقصة شاكيرا... وويح لمن لم يسمع بحمية (ريجيم) حسين الجسمي، وحمل
نانسي عجرم، وطلاق هيفاء وهبي فإنّه ليس مثقفا وليس من سكّان هذه الأرض. جهاز كامل
من الدعاية حوّل المجتمع المعاصر إلى مجتمع مسلوب الإرادة ومخدوع. خداع متأتّي من
تضخيم قيمة عالم الفرجة. فهذا الجهاز لا ينقل الأخبار فقط وإنّما يجمّلها. يظهر إغتراب الفرد في التعلّق
بواقع زائف منمّّق. فيرى أن قيمته تتحدّد بالحصول على إمضاء شخصية مشهورة أو شراء
حمّالة صدر ممثّلة جميلة أو إمتلاك سيّارة فاخرة أو اللباس حسب الموضة... أما
نقاوة روحه فمسألة ثانوية.
نكتشف من هذا التأثير الذي يمارسة عالم الفرجة على الأفراد أنّه ليس عالما
من الصوّر الجامدة بل عالما يهيكل تفكيرنا وسلوكنا.
لا يجب أن نفهم الدور السلطوي
الذي تقوم به أدوات التواصل في المعنى السلبي فقط. فالصورة في مجتمع الفرجة يمكن
أن تكون سلبية عندما تظهر فتاة جميلة شبه
عارية تعرض منتوجا ما، ولكن يمكن أن تكون إيجابية عندما تعلن عن عرض فيلم جديد.
كما أن البطاقات الملصقة وإن كانت تمدح السلعة أكثر ممّا تبيّن فؤائدها بصدق،
وتحدّ من إحتكاك الإنسان بالواقع كما يقول برغسون، فإنّه من غير المقبول أن نجرّب
كلّ شيء حتّى نقف على مزاياه. وهل سيستفيد شارب السمّ من معرفة أنّه قاتل؟ أيضا
لولا ذلك التوافق بين أفراد المجتمع على معاني الكلمات أو بتعبير آخر لولا ذلك
التأثير السحري الذي تقوم به الكلمات لما كان هناك مجتمع أصلا. تخيّل لو أن كلّ
شخص ينسب للكلمة التي يسمعها المعنى الذي يريده طبعا لن يكون هناك تفاهم. لذلك
نقول أن سلطة الرمز ليست كلّها سلطة سلبية.
إن هذا الدور المزدوج للرّمز من
حيث أنّه يخدم التواصل من جهة ويتحكّم في سلوكه من جهة ثانية، يجعلنا نتساءل عن
علاقة الخدمة بالتحكّم. فهل هناك تسلّط إيجابي؟ والغريب أن هذا الدور المزدوج –السلبي
والإيجابي- للرمز نجده في المعرفة. فالواقع لا نعرفه إلا عند تحويل محتوياته
(الظواهر الطبيعية) إلى رموز رياضية. فعملية التحويل هذه تدفعنا إلى التساؤل هل
نحن إقتربنا من الواقع أو إبتعدنا عنه؟ هل أن الرّمز الرّياضي أو غيره يخدمنا من
حيث أنّه يضبط الواقع ويصوّره كما هو أم أنّه يصوّره بتحريف وتشويه؟