حسن الولهازي (تونس)
هل يخبر فرج عمّا حصل؟
استفاق
سكّان القرية على خبر مفاده أن البارحة وقع القبض على فرج. وفرج هذا هو شابّ يتيم
ومتشرّد لا شغل له ولا مقرّ إقامة. وهو في نظر البعض متخلّف ذهنيا وفي نظر البعض
الآخر يتعامل مع الجنّ. وعلى العموم هناك اتفاق على أنّه غريب الأطوار ولا نستطيع
أن نتكهّن بما سيصدر عنه. ومع ذلك هناك صفات ثابتة فيه فهو طيّب إلى حدّ السذاجة
وكريم إلى حدّ الإيثار رغم أنّه فقير. كلّ من سمع بخبر القبض عليه شهق، وضرب كفّا
بكفّ، وصاح "فرج يقع القبض عليه!! ولماذا؟ ماذا فعل المسكين؟". الكلّ
متلهّف لمعرفة السبب. والسبب حسب ما هو متداول هو أن شبّانا من المنحرفين سرقوا
بستانا من الرمّان في القرية المجاورة في الليل وكان فرج معهم وتفطّن إليهم الحارس
فهربوا هم ووقع القبض عليه هو فقط. من كان مع فرج؟ علم ذلك عند الله. هناك تكتّم شديد
على الأسماء خوفا من بلوغ ذلك إلى أعوان الأمن. قضى سكّان القرية ذلك اليوم بين
القيل والقال. هناك من يؤكّد أن فرج لابدّ أن تأتيه صحوة في لحظة ما ويذكر أسماء
مشاركيه وهناك من يقول أن الضرب والصفع الذي سيتلقّاه سيشوّش تفكيره ويعكّر مزاجه
ولن يقول جملة سليمة. لقد أوقع هذا الحدث في القرية هرجا ومرجا. فلأنّ حياة هؤلاء
الرّيفيين تتميّز بالهدوء والسكينة فإنّ حدثا من هذا القبيل كفيل بأن يحي القرية
ويخرجها من حياتها الرتيبة.
تربضُ القرية في منحدر ربوة ولذلك كانت كلّ الأبواب
تقريبا متّجهة نحو المنخفض، وهذا ما يمكّنها من مراقبة الطريق الرئيسي والوحيد
الذي يربط القرية ببقيّة المناطق. كلّ الأعين على هذا الطريق، فهو مصدر الأخبار
ومصدر كلّ جديد. ولأنّه مكشوف وعلى أرض منبسطة فإمكانك أن تلاحظ أيّة حركة فيه
بسهولة. فإذا قدم بائع متجوّل أو سيّارة، كانت هناك مجموعة من الأفراد في انتظار
الزائر قبل وصوله.
وحلّ المساء. فإذا بسيّارة هناك، هناك بعيدا تتهادى في
الطريق الغير المعبّد. تسير على مهل حتّى أنّك تخالها واقفة. أي جديد تحمل يا ترى؟
سرى خبر قدوم السيّارة سريان النار في الهشيم. الكلّ ربط مجيئها بحادثة البارحة. الكلّ
مشرئبّ إلى تلك السيّارة والعيون شاخصة فيها ترقب ما سيصدر عنها. وأخيرا توقّفت ولم
تبلغ القرية بعد. نزل منها شخص وعادت هي أدراجها. تقدّم ذلك الشخص نحو القرية.
ولمّا تبيّن أنّه يقصد القرية فعلا، هبّ الجميع ركضا إليه وكأنّهم في سباق. من
القادم يا ترى؟ وأخيرا تبيّن وجه الزائر، إنّه فرج! عيناه منتفختان وآثار الصفع
علي خدّيه ظاهرة. سؤال وحيد يريد الكلّ معرفة الإجابة عليه هو: ماذا قال لأعوان
الأمن؟ ساد الصمت. الكلّ ينتظر الإجابة التي يمكن أن تكون صادمة. فهم يريدون أن
يحموا أبناءهم حتّى ولو كانوا منحرفين. وأخيرا نطق فرج وهو يتلعثم: "قلت لهم
إن صالحة أختي هي التي أفزعت الأرنب، اللهمّ إفزعها في منامها". والتفت
الحاضرون إلى بعضهم البعض وقد فغرت أفواههم ولسان حالهم يقول: عمّا يتحدّث هذا؟ وسألوه
من جديد "ماذا قلت؟" وأعاد فرج ما قاله سابقا "قلت لهم إن صالحة
أختي هي التي أفزعت الأرنب اللهمّ إفزعها في منامها، فضربوني وأطلقوا سراحي".
وانفجر الحاضرون ضحكا وهناك من سقط يتمرّغ على الأرض من فرط الضحك وتعالت الهتافات
وعمّ التصفير المكان. وفي ذلك الوقت انتحى ثلاثة شبّان ناحية من المكان وراحوا يقبّلون
بعضهم البعض ويتعانقون وساعتها عرف الحاضرون الإجابة عن ذلك السؤال الذي تداولته
الألسن كامل اليوم: من كان مع فرج؟