9. العلاقة السببيّة بين الخاصّ والعمومي والجمهورية عند جان بودان

ECRITS
0

                   حسن الولهازي (تونس)
                  العلاقة السببيّة بين الخاصّ والعمومي و الجمهورية عند جان بودان


   يقول جان بودان (1530-1596) في الفصل الثاني من الكتاب الأوّل من كتاب "الكتب الستّة للجمهورية": "لا وجود لجمهورية إن لم يكن ثمّة شيء عمومي" و "لا وجود لشيء عمومي إن لم يكن ثمّة شيء خاصّ". كيف تفهم هذه المفارقة في تحديد مفهوم الجمهورية؟
المقدّمـــــــــــــة
حصر كانط مجال بحث الفلسفة في ثلاثة أسئلة هي: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ وماذا يمكنني أن آمل؟ وواضح من هذه الأسئلة أن المشاكل العملية (الأخلاقية والسيّاسيّة) هي مبحث فلسفي قائم الذات. فالإنسان لا يهمّه أن يعرف الحقيقة فقط بل يودّ أن يسلك وفق ما تتطلّبه الحقيقة. وقبل كانط فصّل ارسطو القول في مجالات اهتمام الفلسفة العملية وقسّمها إلى ثلاثة مباحث وهي: تدبير المنزل والأخلاق والسياسة، معتبرا أن تدبير المنزل يضبط ما يجب على الفرد القيام به في عائلته وتضبط الأخلاق ما يجب على الفرد القيام به في مجتمعه وتضبط السياسة ما يجب على الفرد القيام به وطنه.
الإشكاليـــــــــة
فهل هذا التقسيم الذي أقامه ارسطو بين العلوم العملية وخاصّة بين تدبير المنزل والسياسة هو تقسيم مبرّر؟ ألا تمثّل العائلة الصورة المصغّرة للجمهورية باعتبار أن فيها حاكما ومحكوما؟ أليس في صلاح العائلة، صلاح للجمهورية؟ تعرّف السلطة العليا عادة بأنّها الاهتمام بالشأن العام أو بما هو عمومي، فهل يعني ذلك إهمال ما هو عائلي وخاصّ كالملكيّة الفردية؟
جوهر الموضـــــوع
اـ مكوّنات الجمهورية
1) المكوّن الأوّل: العائلـــــة
لكي توجد جمهورية لا بدّ أوّلا وقبل كلّ شيء من مكوّنات مادّية تسبق الدساتير والتشريعات. وأهمّ هذه المكوّنات إلى جانب الأرض: الأفراد. لا يركّز بودان على عامل الأرض ولكنّه أولى قيمة كبيرة للعائلة في الجمهورية.
أـ العائلات هي التي تكوّن الجمهورية وليست كثرة الأفراد (بدون عائلات )
تتكوّن العائلة في نظر بودان من ثلاثة أشخاص على الأقلّ. يتعايشون تحت سلطة رئيس العائلة. قد يكون هؤلاء الأفراد أبناء أو عبيدا وإذا انضافت المرأة سمّيت الخليّة، عائلة كاملة un ménage . تتكوّن الجمهورية في نظر بودان من ثلاث عائلات على الأقلّ. كما يقول أن القدامى كانوا يطلقون على المجموعة التي تتكوّن من خمسة عشرة فردا شعبا un peuple. فإذا ملك رئيس العائلة تحت تصرّفه أكثر من خمسة عشرة فردا سواء كانوا عبيدا أو أبناء أو زوجات فهل نحن تجاه جمهورية؟ يرى بودان أنّنا في هذه الحالة نظلّ تجاه عائلة ولا نكون تجاه جمهورية، لأنّ الجمهورية تتكوّن بالضرورة من ثلاث عائلات على الأقلّ وليس من عائلة واحدة حتّى ولو تضخّم عدد أفرادها. ولنفترض أنّنا تجاه عدد ضخم من الأفراد لا ينتمون إلى عائلات كأن يكونوا سجناء أو عبيدا أو بحّارة استوطنوا جزيرة... فهل يشكّل هؤلاء جمهورية؟ يرى بودان استحالة ذلك. ففي نظره هؤلاء الأفراد سينقرضون من تلقاء أنفسهم طالما أن العائلات التي ستضمن التوالد والاستمرار غير موجودة.
يتبيّن ممّا سبق أن بودان يولي قيمة كبيرة للعائلة في الجمهورية. فما هي مبرّرات هذا الموقف؟
ب ـ لماذا يولي بودان هذه القيمة الكبيرة للعائلة؟
يقول بودان "العائلة هي المنبع الحقيقي ومصدر كلّ جمهورية وعنصر أساسي منها". كما يقول "إن العائلة المسيّرة تسييرا حسنا هي الصورة الحقيقيّة للجمهورية". من هاتين القولتين نستنتج سببين جعلا بودان يعطي للعائلة قيمة كبيرة في الجمهورية.
السبب الأوّل: بفضل التوالد في العائلة يتجدّد الشعب. بينما إذا انعدمت العائلة فإنّ عمر الجمهورية لن يتجاوز عمر المعمّر فيها. (أي في الجمهورية).
السبب الثاني: العائلة هي الصورة المصغّرة للجمهورية. ففي كليهما هناك حاكم ومحكوم. فالعائلة تدرّب الفرد على الطاعة للسلطة وتساعد السلطة العليا في مهمّتها. فمتى أحسنا تسيير شؤون العائلة وتخرّج منها أفراد صالحون كان لذلك تأثير ايجابي على الجمهورية، ومتى فسدت قيادة العائلة تضرّرت الجمهورية. لكن الجمهورية لا تعرّف كمجموعة من العائلات أو الأفراد فما يحوّل مجموعة من الأشخاص في العائلات إلى جمهورية هو العلاقة الرّوحية التي تربط الأفراد. من هنا المكوّن الثاني.
2) المكوّن الثاني: الإتحاد بين الأفراد (الجانب الرّوحي)
كلّ فرد يشعر أنّه ينتمي إلى عائلة كما يشعر أنّه ينتمي إلى جمهورية. وهذا الانتماء الأخير هو الذي يخلق نفس الجنسية عند أفراد الوطن الواحد. وهو الذي يقرّب بين الأفراد من الناحية الرّوحية. إضافة إلى ذلك، فهم يشعرون أنّهم محكومون بنفس السلطة السياسيّة. يقول بودان "ليست المدينة une ville ولا الأشخاص هم الذين يشكّلون حاضرة une cité ولكن اتحاد أفراد الشعب في ظلّ السيادة الملكية une seigneurie souveraine حتّى ولو كانت هناك ثلاث عائلات فقط". الجمهورية عند بودان لا تعرّف كمجموعة من الأفراد أو العائلات لا علاقة بينهم. فما يحوّل مجموعة من الأشخاص إلى جمهورية هو العلاقة الرّوحية والاقتصادية التي تربط بين الأفراد بدءا بالعلاقة بين أفراد العائلة إلى العلاقة بين العائلات في ظلّ نظام ملكي. يقول بودان "الأساس الحقيقي والمحور الذي تدور حوله حالة المدينة وعليه يتوقّف القضاء وتتوقّف القوانين والتراتيب هو وحده اتحاد أو ارتباط العائلات والسّلطات  والهيآت وكلّ الأفراد في سلطة هي الجمهورية." ويعدّ الملك أهمّ عامل في توحيد مواطني الجمهورية. ويمثّل السلطة العليا. ونقول عنها العليا لأنّ هناك سلط دنيا. فرئيس العائلة هو في حدّ ذاته حاكم لعائلته والمدينة لها حاكمها. ولكن كلّ الحكّام في الجمهورية وكلّ الأفراد يطيعون السيادة العليا. ويستشهد بودان بتعدّد الحكومات في عديد الدوّل منها الفرس التي كانت تعدّ ستّ حكومات واثيوبيا التي كانت تعدّ خمسين حكومة. ولكن رغم هذا التعدّد فإن هذه الحكومات تخضع جميعها لسلطة عليا واحدة.
يمكن أن نستخلص ممّا سبق أن ما يخلق الإتحاد بين أفراد الجمهورية هو خضوعهم لسلطة عليا واحدة وكذلك الانتماء إلى إقليم أو وطن واحد. هذا التعايش بين الأفراد من شأنه أن يخلق ملكية مشتركة وهو ما يسمّى بالعمومي le public.
3) المكوّن الثالث: الملكية الجماعية أو العمومي والمشترك.
العنصر الثالث المكوّن للجمهورية هو العمومي. يقول بودان مفسّرا محتويات العمومي "علاوة على السيادة la souveraineté لا بدّ من وجود شيء مشترك commun أو عمومي public: مثل الحقل العمومي، الثروة العمومية، منازل الأحياء، الطرقات، الحصون، الساحات، المعابد، الأسواق، الأعراف، القوانين، العادات، العدالة، الإيجار، العقوبات، وأشياء أخرى من هذا القبيل والتي هي إمّا مشتركة أو عمومية، أو الإثنين معا، إذ لا وجود لجمهورية إن لم يكن ثمّة شيء عمومي". إلى جانب الملكية الخاصّة كملكية المنازل والحيوانات والأدوات... هناك ملكية جماعية مثل الطرقات. فالطرقات لا يملكها شخص بعينه. وجود هذه الممتلكات العمومية هي التي تفرض وجود جمهورية ترعاها وتحميها وتجعل لذلك الشعب هويّة خاصّة به. وهناك أنشطة أو مناسبات عامّة كالاحتفالات الوطنية والأعياد الدينية لا يمكن أن يضبطها فرد بعينه وإنّما تضبطها وتشرف عليها السلطة العليا. كما أن إرساء العدالة والاقتصاص من الظالمين تقوم به السلطة العليا كذلك. إن إدارة الشأن العام مهمّة رئيسية تقوم بها الجمهورية. قد يذهب في ظنّ البعض وبالنظر إلى هذه المهمّة إلى أن إلغاء الملكية الخاصّة هو مساعدة للجمهورية إلى القيام بمهمّتها أو هو إرساء للمساواة والعدالة كما ستدعو إلى ذلك الماركسية لاحقا. فهل أن في  إلغاء كلّ ما هو خاصّ وبالتالي الملكية الخاصّة  خدمة للصالح العام وللجمهورية؟
ااـ العلاقة بين العمومي والخاصّ
1) لا وجود لما هو عمومي إلاّ بوجود ما هو خاصّ
يقول بودان "إذا كان كلّ المواطنين ملوكا، فلن يكون هناك ملك". ومعنى ذلك هو التالي: إذا كان كلّ مواطن ملكا، فلن نجد ملكا بالمعنى التقليدي أي ذلك الحاكم المميّز عن الجميع والذي يقود الأفراد. فلكي يتميّز شيء ما أو شخص ما، لا بدّ من إلغاء التشابه والتوحيد. في حين أنّنا إذا وضعنا فرضية "كلّ مواطن ملك"، نكون قد أرسينا التشابه والتوحيد ولن يتميّز شخص واحد بصفة ملك. وبنفس القياس نتحدّث عن العمومي. فإذا كان كلّ شيء عمومي فلن يكون هناك شيء عمومي. إذ كيف سيكون عموميا وبالمقارنة مع ماذا؟ لن يوجد "العمومي" إلاّ بوجود "خاصّ" يتميّز عنه. وكما يقال "بضدّها تتمايز الأشياء".
نستخلص ممّا سبق أن العمومي لا يوجد كعمومي إلاّ بوجود ما هو خاصّ. ولكن هل من الضروري أن يوجد الخاصّ إلى جانب العمومي؟ بتعبير آخر هل أن الخاصّ يجب أن يوجد لا لشيء إلاّ ليوجد العمومي أن وجود الخاصّ مبرّر دينيا وطبيعيّا؟
2) ضرورة و جود الخاصّ في الجمهورية
يشير بودان في كتابه "الكتب الستّة للجمهورية" إلى أن أفلاطون حاول في جمهوريته الأولى إلغاء الملكية الفردية معتبرا أن اللّفظتين "ملكي" و"ملكك" هما سببا كلّ المصائب والشرور التي تتعرّض لها الجمهورية. ولكنّه أدرك في ما بعد إلى أن إلغاء الملكية الخاصّة هو إلغاء لسمة الجمهورية. وهل سيكون هناك ما هو عمومي لتهتمّ به الجمهورية والحال أن العمومي لا يوجد إلاّ بوجود الخاصّ ليتميّز عنه كعمومي؟ بل أكثر من ذلك إلغاء الملكية الخاصّة ليس إلغاء لشرور كما ذهب في ظنّ أفلاطون في جمهوريته الأولى وإنّما هو إيجاد لها. والدليل على ذلك هو تعارض هذا الإلغاء مع الدين والطبيعة. يقول بودان عن الجمهورية التي تلغي الملكية الفردية "كم ستكون هذه الجمهورية متعارضة مباشرة مع القانون الإلهي والطبيعي الذي يرفض لا فقط نكاح المحارم والخيانة وقتل الأقارب وهي سلوكات لا مهرب منها إذا كانت النساء مشتركة بينهم". إذا أصبح كلّ شيء عام ومشترك بين النّاس، فسيعتبر كلّ فرد أن له الحقّ في كلّ شيء ومن هنا تنشأ الخصومات ويتحوّل المجتمع الإنساني إلى مجتمع حيواني، وستتحوّل القوانين والأعراف من رادعة للفوضى إلى مشجّعة عليها طالما أنّها تعطي للفرد حقّ ملكية كلّ شيء أو على الأقلّ الاشتراك فيها.
يتبيّن لنا من هنا أن الجمهورية ليست فقط لإدارة الشأن العام، بل كذلك لحفظ الملكية الخاصّة وردع الطامعين والخاطفين وعموما الرّاغبين في الاستيلاء على ما يحلو لهم عند غيرهم.
النـقـــــــــــــــد
إن المتتبّع لتفكير جان بودان يدرك منذ البد اية أنّه سينتهي إلى الدفاع عن المليكة الخاصّة، وكيف لا وهو الذي يدافع عن العائلة ويعتبرها النواة الحقيقية للجمهورية. إن أهمّ ما يميّز تفكير بودان هو الواقعية. بعيدا عن التفكير الطوباوي ، لم يرسم بودان ما يحلم به، بل رسم ما يمكن بلوغه. فهو بعيد عن طوباوية توماس مور وشيوعية ماركس. فقد استوحى فلسفته السياسيّة من مطالب المواطن البسيط وهي: عائلة منظمة ومستقيمة وملكية خاصة.
الخاتمـــــــــــة
إن واقعية بودان تطرح أمامنا إشكالا فلسفيا حول رسم التشريعات التي تقوم بها الفلسفات الأخلاقية والسياسيّة. فهل نراعي في تحديد التشريعات الطموحات التي نريد أن نصل إليها وهكذا نراعي ذواتنا، أم نراعي في تحديد هذه التشريعات إمكانيات التحقيق وشروطه وهكذا نراعي الواقع؟
 
                                                       
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top