8. قوانين فيزياء نيوتن وأبعادها الحضارية

ECRITS
0
                           حسن الولهازي (تونس)
                      
 قوانين فيزياء نيوتن وأبعادها الحضارية
المقدّمة
كلّ نظرية فلسفية أو علمية لا تكون لها جدّتها وخصوصيّتها إلاّ عندما تستقلّ بأطروحة خاصّة بها. ولكن أيضا عندما تبتكر أو تتميّز بمفاهيم معيّنة تعرف بها . فالماركسية أو اسم ماكس اقترن بمفاهيم المادّية الجدلية والمادّية التاريخية والطبقية ورأس المال... و اقترن اسم فرويد بمفهوم الهو والأنا والأنا الأعلى... واقترن اسم اينشتاين بنظرية النسبية واقترن اسم ماكس بلانك بنظرية الكوانتم.
الإشكالية
فبماذا تقترن اسم اسحاق نيوتن؟ ما هي المفاهيم التي اشتهر بها والقونين التي اعتمدها ليني العلم الحديث؟ وما هي الأبعاد الحضارية لهذه القوانين؟
التحليل
I- قوانين فيزياء نيوتن
بنى نيوتن العلم الذي أسّسه على ثلاثة قوانين:
القانون الأوّل: قانون العطالة
يقرّ هذا القانون أن كلّ جسم يظلّ على الحالة التي هو عليها من سكون أو حركة إلى ما لانهاية له. لن يتحرّك إذا كان ساكنا أو يسكن إذا كان متحرّكا إلاّ بتدخّل قوّة. أوّل من تفطّن إلى هذا القانون بشكل علمي هو قاليلاي في معرض حديثه على التأثيرات الخارجية على الجسم المتحرّك، معتبرا أن الجسم الذي لا يؤثر عليه أي مؤثر خارجي يمضي في حركته بسرعة منتظمة إلى الأبد. لكن من صاغ هذا القانون صياغة واضحة  واعتبره مبدأ هو ديكارت.
ما هي أبعاد هذا القانون؟
أوّلا: بهذا القانون انعدم ذلك التفاضل الذي أرساه أرسطو بين الحركة والسكون. ففي نظر أرسطو السكون هو الحالة الطبيعية للجسم. فالسكون للجسم هو حالة كمال بينما الحركة هي حالة نقص لذلك كلّما ألقينا جسما في الفضاء عاد بسرعة إلى الأرض ليسكن وكلّما دفعنا جسما فإنّه يسير قليلا ويتوقّف لأنّه يعشق السكون.
على نقيض ذلك فإن السكون في نظر نيوتن هو حالة مثلما أن الحركة هي حالة أو وضعية فالجسم المتحرّك لا يعشق السكون والجسم الساكن لا يكره الحركة كلّ جسم يظلّ على حالته ولن يتغيّر إلاّ بتدخّل قوّة.
ثانيا: إن المصطلحات من قبيل الكمال والنقص وعشق السكون وكره الحركة، تنتفي مع هذا القانون. فهذه المصطلحات توحي بتقييمات أخلاقية لا مجال لها في العلوم الطبيعية. والحديث عن الشيء على أنّه يرغب أو يكره أو يفضّل يذكّرنا بتلك النظرة الإحيائية التي كانت عند الإنسان البدائي.
القانون الثاني: مفهوم القوة
صاغ نيوتن قانون القوّة في المعادلة التالية: القوّة=الكتلة × السرعة. تقاس القوّة بمقدار التغيّر الذي تحدثه في سرعة الجسم. فالسرعة العظيمة للجسم دليل على أن القوة الدافعة عظيمة والسرعة الضعيفة دليل أن القوّة الدافعة ضعيفة. (سؤال شخصي: إذا الأمر كذلك فلماذا الجرّار ليس أسرع من الدرّاجة النّارية رغم أن محرّكه أقوى؟).
يفهم هنا التعبير "تغيير السرعة" لا فقط تغيّر الوقت المستغرق في مسافة معيّنة بل كذلك اتجاه الحركة. فتغيّر اتجاه المتحرّك رغم انتظام سرعته يدخل في نطاق تغيّر السرعة.
فما هي أبعاد هذا القانون الثاني؟
أوّلا نلاحظ في هذا القانون أن مفهوم القوّة يتمّ بإستدعاء مفهومين هما: مفهوم السرعة ومفهوم الكتلة، وهذا يعني أن تعريف الظاهرة في الفيزياء الحديثة يتمّ بالنظر في التفاعل بين الظواهر وفي علاقة الظواهر ببعضها البعض. وهذا التمشّي مناقض لطريقة التعريف التقليدية التي تنظر للظاهرة أو المفهوم بمعزل عن بقيّة الظواهر أو المفاهيم الأخرى فهي تعرّف المدروس بالنظر لجوهره واسقاط الأعراض عنه. فالذي يهمّها هو ما تسمّيه الماهية ولذلك كان السؤال الذي تطرحه هو سؤال: ما هو؟ وما هي؟ من قبيل: ما هو الإنسان؟ والجواب حسب أرسطو هو حيوان ناطق. على نقيض ذلك لا يبحث العلم الحديث عن ماهية الظاهرة ولكن عن تفاعلها مع بقيّة الظواهر. سئل نيوتن ماهي الجاذبية؟ فأجاب "لا أعرف ولكن أملك قانونها".
ثانيا: إن تعريف القوّة بمعادلة جبرية، فيها تصبح القوّة f والسرعة v والكتلة m دليل على أن تحوّل جذري في نظرة الإنسان للطبيعة. فمن نظرة كيفية وصفية أدبية إلى نظرة كمّية تجريدية رياضيّة. فالطبيعة هي عبارة عن مسطّح أقليدي والأشياء فيها عبارة عن نقاط متحرّكة في ذلك المسطّح. فالشيء هو نقطة هندسية ولم يعد يهمّنا لونه أو جماله. يشبّه قاليلاي الطبيعة بكتاب مفتوح مكتوب بلغة رياضيّة لا يفهمه إلا الرّياصيّون.
القانون الثالث: قانون الفعل وردّ الفعل
يبيّن هذا القانون أن كلّ جسم يؤثّر على آخر، فإنّ هذا الأخير يردّ الفعل بنفس القوّة ولكن في الإتجاه المضادّ. لذلك يمكن تسميّته أيضا بقانون التفاعل المتبادل. ولتوضيح ذلك نأخذ المثال التالي، عندما تصدم سيّارة تسير بسرعة كبيرة جدارا، فإنّ الصدمة تكون قويّة والسبب هو أن الجدار يردّ الفعل بنفس القوّة التي صُدم بها. ولكن عندما تكون الصدمة ضعيفة، فإنّ ردّ فعل الجدار يكون ضعيفا.
على هذه القوانين الأسس، بنى نيوتن علما قطع مع الماضي وأحدث ما يسمّيه باشلار القطيعة الإبستيمولوجية. ففيزياء نيوتن بطبيعة الأسئلة التي تطرحها والمنطلقات التي تعتمد عليها وطبيعة نظرتها للظواهر تتنزّل في مجال غريب تماما عن مجال بحوث القرون الوسطى. ويعود تفوّق ميكانيكا نيوتن إلى عاملين على الأقلّ:
العامل الأوّل: هو اعتماد نيوتن على الرّياضيات والتجربة وخاصّة التجارب التي أجراها قاليلاي. في حين كانت البحوث السابقة عبارة عن تحاليل فلسفية أدبية تقدّم آراء ذاتية لا ترتقي إلى مستوى القوانين. يقول لايبنيتس عن فيزياء أرسطو "إنّها قصّة جميلة" C’est un bon roman.
العامل الثاني: هو انفتاح فيزياء نيوتن على علم الفلك. فالعلم الذي أرساه نيوتن لا ينطبق على ظواهر الأرض فقط. فقانون الجاذبية مثلا يسري بين أجسام الأرض كما يسري بين القمر والأرض. كما أن حصاة صغيرة أو كوكب في السماء هما بالنسبة للفيزيائي نقاط مادّية des points matériels « m »(masse) نرمز لها ب"ك" (كتلة). بهذا التوسّع في النظر للطبيعة يلغي نيوتن ذلك الفصل الذي أقامه بطليموس بين عالم ما فوق القمر وعالم ما تحت القمر. وهو فصل تمسّكت به الأديان في ما بعد ودافعت عنه. وهذا يعني أن ميكانيكا نيوتن لم تكن فقط ثورة على التراث العلمي بل هي كذلك تجديد في الفلسفة وفي التفكير وفي التقنية وباختصار هي تطوير للحضارة.
II -الأبعاد الحضارية لهذه القوانين
من بين القوانين الثلاثة السابقة يتنزّل قانون الفعل وردّ الفعل ضمن مبدأ أعمّ هو مبدأ الحتميّة. يقول هذا المبدأ le déterminisme أن إذا توفّرت أسبابا معيّنة فإنّ نتائج معيّنة لا بدّ أن تحصل، مثال ذلك إذا ألقينا بجسم في الفضاء فلا بدّ أن يسقط حتما. إن الطبيعة هي مجال تفاعل قوّى منتظمة في سلسلة من الأسباب والنتائج. كلّ ظاهرة هي نتيجة لظاهرة ما أو ظواهر ما وعلّة لظاهرة ما أو ظواهر ما. وتأثير الظواهر في بعضها البعض قد يكون بالاحتكاك المباشر كاصطدام سيّارة بحائط أو عن طريق التجاذب عن بعد مثلما يتسبّب القمر والشمس في حركة المدّ والجزر.
ما هي الأبعاد الواقعية والفلسفية لمبدأ الحتميّة؟
من الناحية الواقعية: طالما أن العالم هو مجال تفاعل منظّم بين الظواهر وفقا لمبدأ الحتميّة فإنّنا إذا أمكننا نظريا أن نعرف حالة العالم في لحظة ما فإنّه بإمكاننا أن نتكهّن بالحالات التي سيكون عليها المستقبل. وهذه الفكرة أوضحها العالم الفرنسي لابلاس في كتابه "مقالة في الاحتمالات" واعتبر أن حالة العالم في الوقت الحاضر هي نتيجة لحالته السابقة وعلّة لحالته اللاحقة. وهذا يعني أنّنا لو عرفنا حالة العالم وقت خلقه لأمكننا كشف كلّ مراحل المستقبل الذي سيكون عليه. وهكذا تسبق المعرفة الأحداث وتنعدم المفاجآت ويكون الإنسان تجاه العالم كمن ينشر سجّادة ملفوفة لا ليعرفها –لأنّه يعرفها مسبّقاـ وإنّما ولكن ليفحصها فقط.
من الناحية الفلسفية: مبدأ الحتميّة يدفعنا لإعادة النظر في التراث الفكري الإنساني ونقد كلّ ثقافة تهمّش دور الإنسان في الطبيعة. فهو يبيّن أن نظام الطبيعة هو نظام مغلق لا يقبل التدخّلات من السّماء وأن الطبيعة مكتفية بذاتها لا تحتاج لمن يسيّرها من خارج. وهذا الموقف نقد للتصوّر الديني الذي يكرّس الاغتراب والعبودية. فالتصوّر الديني هو تصوّر رجعي وقف منذ وجد ضدّ التطوّر وقد عانى العلماء كثيرا من رجال الدين ومنهم برونو وقاليلاي.
النـــقـــد
إن تطوّر العلوم ليس مفيدا فقط للعلوم، والثورة في العلوم لا تقتصر على تطوّر العلوم. إن تأثير الثورة العلمية يتجاوز العلوم إلى الحضارة ككلّ. كلّ ثورة في العلم تلحقها ثورة في طرق التفكير والفلسفة والدين والرّياضيات والفنّ والتقنية وعموما في كلّ جوانب الحَضارة. صحيح أن العلم لا يمكن أن يأخذ مكان الأشكال الثقافية ولكن هو الذي يفتح أمامها آفاقا جديدة وإمكانيات رحبة.
الخاتمة
إن الدّارس لتاريخ العلوم يجد نفسه رغم أنفه يفاضل بين حقب معيّنة في هذا التاريخ كأن ينبري يدافع عن العصر الحديث ويبيّن المراهقة الفكرية عند القدامى. هذه المفاضلة تدفعنا لإعادة النظر في موقفنا من تاريخ العلوم: هل أن تاريخ العلوم لا قيمة له لأنه بعيد عن الحقيقة أم أن له قيمة لأنّه الأساس الذي لولاه لما كان العصر الحديث؟



Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top