"أن نفعل ما نحبّ معناه أنّنا أحرار، وأن نحبّ ما نفعل معناه أنّنا سعداء"
في فعل ما نحبّ أو حبّ
ما نفعل هناك ارتباط بين الداخلي والخارجي، بين الرّوحي والمادّي. في فعل ما نحبّ
هناك إخراج لما هو روحي وتنزيله في الواقع المادّي. وفي حبّ ما نفعل هناك صدى طيّب
في نفوسنا لما نقوم به. هناك تلذّذ بما نفعل. فماذا يعني فعلنا لما نحبّ وماذا
يعني حبّنا لما نفعل؟
أن يفرض الإنسان إرادته
على الواقع وأن يحقّق ما يرغب فيه معناه أنّه حرّ. ولو كانت هناك عوائق تعيق
حرّيته لما تمكّن أن يفعل ما يريد. فتنزيل الإرادة في الواقع هو الحجّة المادّية
على الحرية. وهذا يعني أن الوقوف عند التمنّي، أي الوقوف عند المستوى النفسي هو
دلالة عجز وعبودية. إذا في فعلنا لما نحبّ هناك انتقال من المستوى النفسي إلى
المستوى المادّي. على نقيض ذلك في حبّنا لما نفعل هناك انتقال من المستوى المادّي
إلى المستوى النفسي. فما نحن بصدد القيام به والشكل الذي يتمّ به انجاز العمل أدخل
في نفوسنا البهجة ولذلك نحن سعداء. فما نقوم به يتوافق مع ما نريد ويستجيب
لطلباتنا.
وما هو جدير بالملاحظة
هنا هو أنّنا ما أحببنا ما نفعل إلاّ لأنّنا نفعل ما نحبّ. فلو كنّا نكره ما نفعل
لما أحببنا أن نفعله (رغم أنّنا فعلناه). إذًا إذَا رتّبنا مفاصل المسألة نكون
تجاه التالي: نحبّ فعل أمر ما، ننجزه وهذه علامة الحرية، فإذا رضينا عن عملنا نكون
سعداء.
واضح من هنا أن السعادة
لا تكون للعبد. فالحرية هي مقدّمة السعادة وفي انعدامها انعدام السعادة.
قد يرى البعض أن هناك
حالة استثنائية يمكن أن يكون فيها العامل سعيدا رغم حرّيته المحدودة أو المفقودة.
وهي الحالة التي يجسّد فيها العامل الأجير أو العبد قدراته الخارقة للعادة أو
عبقريّته في عمله فيكون سعيدا بذلك. مثال: عامل أجير في مصنع مطالب بإنجاز عمل
بطريقة روتينية وهو في ذلك يخضع لتعليمات مدير الأشغال و لذلك يقوم بعمله مكرها.
ولكن باجتهاده يكتشف طرقا أفضل في العمل ويتبعها فيحقّق نجاحا في عمله ويكون محلّ
إعجاب من قبل مدير الأشغال وزملائه. وعندئذ يحبّ عمله وتغمره السعادة. هل يعني هذا
انتقالا من فعل ما لا نحبّ (العبودية) إلى حبّ ما نفعل (السعادة)؟
الواقع أنّه يصعب قول
ذلك. فبين مرحلة العبودية ومرحلة السعادة هناك مرحلة وسطيّة خفيّة بينهما هي مرحلة
الحرّية. فهذا العامل الذي كان يفعل ما لا يحبّ، ما أحبّ ما يفعل في النهاية إلاّ
لأنّه قرّر في يوما ما أن يفعل ما يحبّ ويخرج عن الأسلوب التقليدي في العمل. وهذا
ما قام به بالفعل وهنا تتجسّد مرحلة الحرّية. وبعد تجاوزه فعل ما لا يحبّ
(العبودية) إلى فعل ما يحبّ (الحرية) أصبح بعد ذلك راض عن عمله (السعادة). نستخلص
ممّا سبق أن هذه الجملة: السعادة بغير الحرّية لا تكون، تبدو مبدأ مطلقا.