حسن الولهازي (تونس)
الديمقراطية هي الإرث الحقيقي لو يعلمون
يتكالب الحكّام العرب على تكديس الثروات(التي هي حق للشعب)في العائلة الحاكمة وعلى توريث أبنائهم الحكم. ولكن هناك حقيقتان يغفل عنهما هؤلاء الحكّام وكلّ حاكم مستبدّ:
المسألة الأولى: إن العائلة الحاكمة لا يمكن أن يدوم حكمها أبد الدهر ولا بدّ أن يقع الإنقلاب عليها طال الزمان أو قصر. وسوف يصبح أبناء وأحفاد هذه العائلة كبقية أفراد الشعب مستغلين من عائلة أخرى حاكمة وهكذا دواليك. وحتّى الثروات المتروكة لهم –ولأنّها لم تحصل بعرق الجبين- لن تعمّر طويلا. أضف إلى ذلك فقد يكون اللقب الذي يحملونه عارا عليهم ويجلب لهم شماتة أفراد الشعب. فهل يشعر بالفخر الآن من كان لقبه هتلر أو موسيليني أو بينوشي. إن الحاكم المستبدّ يدافع عن أبنائه وأحفاده وهو حيّ ولكن ماذا سيفعل عندما يموت ويترك الفوضى والعار؟ طبعا لاشيء(طالما هو ميّت). وهل سيشعر بالرّاحة في حياته وهو يدرك أنه ترك وضعا مرشحا للإنفجار؟أليس الأفضل أن يضع في إعتباره هذه الحقيقة ويقرأ لها حسابا؟ فكيف يكون ذلك وما هو الحلّ؟
الحل هو الديمقراطية بمعناها الأصيل. على الحاكم أن يرسي تقاليد إحترام القانون وطرق الكسب الحلال وفي ذلك فائدة للجميع. الديمقراطية هي المناخ الذي يطمئن به الحكّام على أبنائهم وعلى كافة أفراد الشعب ليبلغوا المجد. كيف لحاكم يسمح بالإعتداءات في عصره، يريدها أن لا تقع على أفراد عائلته بعد وفاته؟ إن الديمقراطية هي أكبر إرث يتركه حاكم لأبنائه لأنها هي التي ستمنع من يحكم بعده من الإعتداء على أبنائه وأحفاده وأعظم ثروة يتركها لبلاده أو هي الثروة التي بها تكون كلّ ثروة.
المسالة الثانية: من منّا يعرف جدّه العاشر أو حتّى يسمّيه؟ قلة قليلة.فما بالك بالجدّ رقم ألف. في شهادة الميلاد نكتب فلان بن فلان بن فلان بن فلان ونكتفي بذلك . وهذا يعني أن أي واحد منّا –من الأحياء الآن- سوف يكون بعد أربعة أو خمسة قرون مجهولا تماما. فالموت يساوي بين الناس من جميع النواحي. حتّى المدافن القديمة ذهبت بها الرياح. وهذا يعني أن هناك أناسا وجدوا واندثروا وكأنهم لم يوجدوا حتى قبورهم لا رسم لها. طبعا هناك عظماء في التاريخ ولكن كيف سيعرف من يوجد الآن أنّه ينتسب إلى واحد من هؤلاء؟ هل يستطيع شخص الآن أن يزعم أنه حفيد سقراط أو ابن سينا أو كسرى أنو شروان؟ وحتى لو أدرك ذلك بشكل ما، فبماذا سيفيده ذلك؟ وقد يصبح موضوعا للسخرية لأنّه سيقال له: ماذا فعلت في حياتك يا ابن كسرى لقد كان جدك عظيما أما أنت...
ماذا نستنتج من كلّ هذا؟
نستنتج أن الحياة الإنسانية تفضي إلى نسيان الأحفاد للأجداد. فأي حفيد لا يستطيع أن يعرف جدّه رقم ألف حتّى يفيده ولا الجد كان قادرا في حياته أن يضمن أنّه سيظل معروفا من قبل أحفاده. فما يفيد كل شخص هو أعماله الخالدة و خدمته للإنسانية، فلا تفيده لا زوجته ولا أبناؤه ولاأحفاده وهذا الأمر مدعاة للتآخي الإنساني. فعلى كلّ شخص أن يدرك الآن أنه بعد وفاته سيصبح كل الناس سواسية بالنسبة إليه. فمن العبث والحالة هذه أن يفتك شخص ما من غيره ويعطي لأبنائه و من العبث أن ينهب الحاكم ثروات الشعب ليعطي لأبنائه لأن هؤلاء الأبناء والأحفاد سيتخلّون عنه يوم لا يجد إلاّ فعله.
ليت الحاكم العربي وكلّ مستبدّ يدرك حركة التاريخ، يدرك أن لا جدوى من أن تفتكّ من هذا وتسرق من ذاك وتعتدى على أولائك لأنّه سيكون في يوم ما –أحب أم كره- في وضعية أي فرد من أفراد الشعب: هيكلا عظميا نخرا نسيّا منسيّا.
حسن الولهازي