حسن الولهازي (تونس)
سادتي حكام الوطن العربي ،يا جهابذة السياسة ،يا أصحاب الجلالة والسيادة والرفعة والسموّ والفخامة والعلوّ ،يا من زعامتكم باهرة وحكمتكم ظاهرة ونظرتكم ثاقبة وسياستكم رشيدة وقيادتكم مفيدة ،وعظمتكم لا يختلف فيها إثنان ولايتناطح فيها عنزان.
إعذروني إن إقتصرت على هذه الأوصاف فقط ،فهي أدنى مما تستحقون.كل عظماء التاريخ من وُجد منهم ومن لم يُوجد بعد لن ولن يضاهوكم تبصّرا وزعامة. من هو ذو القرنين وحنبعل وهارون الرشيد ونابليون بونابرت ونلسون منديلا أمامكم؟هؤلاء لا يساوون شيئا أمام فخامتكم.
أردت في هذه الرسالة أن أشكركم قبل أن أموت. فالأطباء يقولون أن أيامي أصبحت معدودة. فأنا –عافكم الله-مريض بمرض السكري وإرتفاع ضغط الدم ،نتيجة إدماني على متابعة نشرات أخبار السياسة العربية. ولكن لا تفهموني خطأ فالذنب ليس ذنبكم وإنما ذنبي أنا الذي أدمنت على هذه العادة . كما أردت أن أقول لكم أنني سعيد سعادة لا توصف ،لالشيء إلا لأن الله حباني بأن أوجدني في عصركم الذهبي هذا ،فشهدت أحداثا هامة منها مجزرة صبرا وشتيلا وإستعمار العراق وضرب لبنان والإعتداء على مخبر الأدوية في السودان وحصار غزة…فنحن الشعوب العربية كنّا نرزح تحت نير الإستعمار -لعنه الله- ولما ظرفنا بالإستقلال إستبشرنا خيرا لأن أفرادا من أهلنا ،من أبناء جلدتنا سيقودوننا ويحموننا ويرفعون رؤوسنا بين الأمم. وتحققت الأمنية وها هو الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ينعم بالرخاء ومنتشي بالحرية والديمقراطية فلا فقر ولا مرض ولا جهل. لقد إنتفت الأُمّية تماما ودخل الكهرباء والماء الصالح للشراب كل بيت .فأنت لا ترى على الوجوه إلا الإبتسامات والحيوية والإستبشار. أما عن الحياة السياسية فحدّث ولا حرج: الإنتخابات الحرة النزيهة ،برلمانات تحولت إلى قاعات لمحاكمة المسؤولين ،صحافيون ينقدون بكل حرية ويُؤخذ نقدهم بعين الإعتبار. في عهدكم السعيد ،أصبحت السجون خالية حتى أن موظفي السجون وقع تسريحهم.
فلا تصدّقوا ما تروجه بعض وسائل الإعلام الغربية ومنظمة هيومن رايتس وتش و منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان عموما ،فأنصارها أعمى قلوبهم الغل والحقد . فهم يحسدوننا على الإستقرار الذي ننعم به بينما هم يحيون في فوضى الصّراعات الحزبية والإضرابات النقابية…ناهيك أن الرئيس عندهم يكتفي بدورة نيابية واحدة أو إثنتين ثم يفرّ بجلده هروبا من هذه الفوضى و من نقد الشعب له. أما فخامتكم الذين ترغبون في إستتباب الأمن ،فمستقرون في النظام إلى أن ترحلوا بعد عمر طويل .
أصحاب السعادة والفخامة والسموّ إن الشعوب العربية –سامحها الله- ورغم أنها تنعم في الرخاء إلا أنها ناقمة عليكم ،فأعذروها في جهلها وأنظروا إليها بعين الرحمة وأشملوها بعطفكم الأبوي المعتاد. فالجهل مصيبة كما تعلمون. فهم يجهلون أنكم تسهرون على مصالحها في النزل الفاخرة والمنتجعات الخلاّبة. فخوفكم على مصالح الأمة لا ينكره إلا مكابر لدرجة أنكم لا تأتمنون أحدا على مستقبلها إلا في شخص إبنكم أو أخيكم. كان الله في عونه هو أيضا.
والحق يقال –وهذا يعلمه القاصي والداني- أنكم تؤثروننا على أنفسكم ولو كانت بكم خصاصة. فأنتم تجوعون ونحن نشبع وتلهثون وراء لقمة العيش في حين نقضي نحن حياتنا بين المنتزهات والشواطئ والمنتجعات.
يتساءل بعض الذين في قلوبهم مرض ماذا حققتم للوطن العربي في عهدكم؟ طبعا حققتم ما لم يحققه خالد بن الوليد ولا عبد الرحمان الداخل ولا عقبة بن نافع ولاطارق بن زياد ولا صلاح الدين الأيوبي... هناك إجتماعات وتنديدات وشرب مبرّدات كانت لها صولات وجولات في عالم السياسة. أستعمر العراق،ضاعت فلسطين،هدد لبنان،حصل ويحصل التطاول على السودان و سوريا... إسرائيل تزحف على الوطن العربي وأنتم منشغلون بالقمم ،تناقشون الوضع وستظلون تناقشون الوضع كان الله في عونكم .
ورغم هذا التعب المضني يقول عنكم المناوئون أنكم تقرعون كؤوس الخمر مع زملائكم الغربيين و تصطحبون حور العين في حلّكم و ترحالكم . وهذا كذب وهراء،إشاعات يروّجها الحساد والصائدون في الماء العكر .فأنتم منزّهون عن كل شائبة ،معصومون عن كل خطأ لأنكم أصحاب سموّ .أكيد أنّ الدم الذي في عروقكم، والأدمغة التي تفكرون بها، وطينة أعضائِكم ليست كالتي لنا نحن أصحاب الوضاعة.
يُشاع أن قادة إسرائيل وأمريكا والدول الأوروبية يسخرون منكم ومن الجامعة العربية ولا يرونكم تختلفون عن سلاطين القرون الوسطى. تبًا لهم!! رغم كرمكم الحاتِمي في التبرّع بأراضيكم ليجعلوها قواعد عسكرية وتعاونكم معهم في مجال الأمن والمخابرت ومدهم بالنفط والغاز واللهث وراء التطبيع مع إسرائيل فإنهم لا يفهمون حقيقة عظمتكم .
يحاول البعض التدخل في الشؤون العربية مدّعيا أن ضميره الحي لا يسمح له بالصمت ،ومنهم رجب طيب أردوغان التركي وإيقو شافيز الفينيزويلي ومحمود أحمدي نجاد الإيراني...ولكن من هم هؤلاء حتى يتكلموا مكانكم ،فأنتم قادرون على الكلام ولكن لاتتكلمون إلا في الوقت المناسب.