11. من أحلامي

ECRITS
0
                                                                

 حسن الولهازي (تونس)

من أحلامي

  قطعنا الجسر نتدافع، كنّا مجموعة كبيرة من النّاس رجالا ونساء وأطفالا. كان أغلبنا يحمل في يده شيئا ما، إمّا عصا أو كيسا من الثياب أو قفّة فيها بعض الزّاد. بعض النسوة كنّ يحملن أطفالا رضّع بين أيديهنّ. لم يكن بيننا شيوخ. كنّا متلهّفين على بلوغ الأعداء لذلك ترى على محيّا كلّ منّا رغبة في الإنتقام يحياها في صمت أو كأنّه يحاول إخفاءها. تلاحظ ذلك في سيره المعتدل وفي تطلّعه إلى الأمام، إضافة إلى ذلك، لم يكن هناك ضجيج أو صياح، لا تسمع إلاّ وقع الأقدام على الحصى أو بكاء بعض الأطفال. وكان يتقدّمنا رجل تظهر عليه علامات الوقار. كان أصلع بدون لحية. ورغم أنّه كان يتقدّمنا ولا يلتفت إلينا إلاّ أنّك تحكم عليه بالأناقة بمجرّد مشاهدة قفاه أو جنبيه أو قوامه في  الجلباب الأبيض الفضفاض. كان يتقدّمنا وفي يده اليمنى كتابا مفتوحا وفي يده اليسرى عصا تفوقه طولا. يبدو أنّه يستخدمها كلازمة من لزوم السفر وليس للإتكاء عليها.
  وصلنا إلى ربوة شاهقة، وقف الرّجل الزعيم وحاشيته، ووقفت كلّ القافلة وراءه. كانت هناك هوّة سحيقة تمنعنا من مواصلة السّير. كان مشهدا رائعا. مئات الأشخاص يقفون على حافة هوّة سحيقة ويطلّون برؤوسهم لسبر غورها السحيق. وخيّم الصمت على المكان. كنت وراء الزعيم لا يفصلني عنه إلاّ بعض أشخاص وكنّا نتطلّع جميعا لما سيحدث. وإذا بالزعيم، وبدون إنتظار منّا، يندفع يلوّح بيده متحدّثا بصوت عال وبلغة غير مفهومة تنمّ نبرات صوته وحركة يده على أنّه يَشْتُمُ. كان ينظر للكتاب أحيانا ولكن في أغلب الأوقات كان ينظر للفضاء الذي أمامه. كان كأنّه يحدّث شخصا نقض عهدا أو أخلف وعدا. كان كلامه عراكا، خصاما، ولكثرة صياحه كان جسمه يهتزّ فيحرّك النسيم جلبابه الأبيض فنزداد إعجابا بوقاره.
   سكت الزعيم فخيّم الصّمت. كنّا في إنتظار شيء ما. شيء نراه يجب أن يحدث. كانت لحظات الصمت تلك بمثابة إمتحان للرّجل الزعيم. هل سيخلق معجزة؟ ماذا كان يقول؟ ماذا ينوي أن يفعل؟ ويبدو أن كلّ واحد منّا كان في سرّه يدعو للقائد بالنجاح. لم يكن أغلبنا متأكّدا من أنّه زعيم. وعندما تشاهده لا يبدو لك أنّه من المتلهّفين على الزعامة ورغم كلّ ذلك كان كلّ واحد منّا يتمنّى أن تكون له سلطة ما، لأنّنا كنّا نتمنّى أن يحدث شيء ما.
   وفجأة أخذ الجبل الذي أمامنا والذي تفصلنا عنه الهوّة السحيقة يميد ويسيل نحوها. كان هذا الجبل رمليّا لذلك كنّا نشاهد الرّمل يسيل بقوّة ويملأ ذلك الفراغ. وفرحنا بهذا الإنتصار. ومع ذلك لم نصفّق أو نصح. وظهرت على الزعيم علامات الإرتياح، فأغلق الكتاب وإتجه صوب المنخفض الرملي الذي تشكّل أمام أعيننا. سرنا وراء الزعيم بصعوبة نظرا لشدّة انحدار المسار، ووقف الزعيم في أسفل المنخفض مع حاشيته. ولمّا التحقت به القافلة أمرنا بالجلوس لتناول الأكل وأوصانا بتقاسم الزّاد.

Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top