21. لماذا لا يعي الفرد بالتغيّر البسيط الذي يطرأ على حالته النفسية؟

ECRITS
0
                                                                         

حسن الولهازي (تونس)

لماذا لا يعي الفرد بالتغيّر البسيط الذي يطرأ على حالته النفسية؟

 يمرّ الإنسان في حياته بحالات نفسية مختلفة ومتتابعة. فهناك الفرح والحزن ،الإنتباه والشرود، الهدوء والتشنّج... ولو أردنا أن نرسم الحياة النفسية في رسم بياني، لرسمناها في خطّ منكسر. قد تستقرّ حالة من حالات الفرد النفسية بعض الوقت ولكن لا بدّ أن تزول وتنتابه حالة أخرى. ودوام الحال من المحال كما يقال. طبعا انعدام استمرار الحالة النفسية للفرد وانعدام استقرارها له عدّة أسباب، من أهمّها الإحتكاك بالعالم الخارجي. فمشاهدة حادث مرور لا شكّ يغيّر الحالة النفسية للمشاهد. وما يستوعبه الفرد من مواد (أغذية، أدوية...) له تأثير على الجسد والنفس معا. فشمّ المخدّرات لا شكّ يغيّر الحالة النفسية للفرد تغييرا يختلف عن التغيير الذي يحدثه شمّ العطور. وقراءة كتاب عن عذاب القبر تبعث في القارئ مشاعر تختلف عن تلك المشاعر التي تحدثها مطالعة مجلّة اشهارية للسياحة في جزر "هاواي".
هل يعي الفرد بتغيّر حالته النفسية؟ ذلك يتوقّف على حدّة العوامل المؤثّرة على نفسه، وعلى طبيعة  تركيبته النفسية. فحادث مرور قد يكون تأثيره أعظم من التأثير العادي، إذ قد يمثّل صدمة نفسية بالنسبة للبعض. والتفاجؤ بوفاة قريب قد يوقع الفرد مغشيا عليه.
إذا إن تأثير الأحداث العظيمة على النفوس (وهي بمثابة مصائب) هو مسألة واضحة لا تحتاج لبرهنة معمّقة ولا لحديث مطوّل. ولكن هناك أحداث بسيطة قد لا نوليها أهمّية ولكن يمكن مع ذلك أن تكون مؤثرة تأثيرا لا نشعر به. ونظنّ أنّنا في حالة نفسية مستقرّة وأن حالتنا عادية، وهذا لا يعني أنّه لا وجود لحالات نفسية مستقرّة. يمكن أن يكون هناك استقرار للحالة النفسية كما يمكن أن يكون هناك تغيّر لا نعي به. مثال ذلك أنّه يمكن أن يكون هناك شخص لم ينم جيّدا ومع ذلك يذهب لعمله ويقوم به وهو متعب فيضيع تركيزه ويقلّ إنتباهه، وعموما يكون على غير عادته ومع ذلك لا يعي بهذا التبدّل الذي طرأ عليه. وقد ينسى أرقام هواتف أو أسماء بعض الأشخاص ويستغرب من نفسه كيف يحصل له هذا النسيان. ومع ذلك لا يعي أنّه اليوم ليس مثل البارحة عكس ذلك يعتقد أنّه هو نفسه. قد يشعر بالتعب ولكن لا يدرك أن التعب حوّله إلى شخص يختلف عمّا كان. هناك فرق بين الشعور بالتعب والحكم عليه. فالشخص المتعب يشعر بالتعب ولكن يستهين به في حين أنّ هذا التّعب قد أخذ منه. وسوء التقدير هذا نجده أيضا عند الكهل الذي يأخذ في فقدان إمكانياته تدريجيا دون أن يتفطّن لذلك. ولا يتفطّن إليه إلاّ عندما يصبح هذا الفقدان صارخا.
ولسائل أن يسأل لماذا يسهو الفرد عن التغيّر البسيط الذي يطرأ على حالاته النفسية؟ وبالتالي على شخصه؟ لماذا نصرّ دائما على أنّنا نحن رغم فعل الزمن فينا؟ صحيح أنّه يوجد أحيانا إستقرار مؤقت للحالة النفسية، ولكن حالة الإستقرار المؤقت التي نشعر بها هل هي كذلك بالفعل؟
إنّ السبب الذي يجعلنا نزعم أنّنا في أغلب الأحيان في حالة إستقرار نفسي ونزعم أنّ قدراتنا ثابتة وبالتالي أنّنا نحن كما عهدنا أنفسنا على مرّ الأيّام هو: الوعي بالذات.
إنّ الوعي بالذات هو الوعي الذي يطغى على أي وعي بأي موضوع آخر. ولأنّه كذلك فهو يهمّش بقية المواضيع. فطالما أن الفرد عندما يستيقظ يجد نفسه أمام نفسه، واع بذاته، فأن يعي بذاته متعبا أو  نشطا فتلك مسألة ثانوية لا قيمة لها. فديمومة الذات مستمدّة من ديمومة الوعي بالذات. فلإنّ الإنسان يعي بذاته بإستمرار يظنّ أن ذاته هي نفسها دائما. ولا يدرك الفرد التغيّر في ذاته إلا عندما يصبح صارخا واضحا. أمّا ماعدا ذلك فإنّ وعيه بذاته يغنيه عن فحص المحتوى المتغيّر لهذه الذات.
حسن الولهازي      
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top