28. بعض خصائص الفكر البدائي وأسبابه

ECRITS
0
                                                                                

حسن الولهازي (تونس)

بعض خصائص الفكر البدائي وأسبابه
          

   يمثّل الواقع بالنسبة للإنسان مصدر حيرة. فالتفاعل بين الظواهر الطبيعية يجعل الإنسان يتأمّلها ويحاول أن يعرفها. ذلك هو هدف الإنسان منذ وجوده "أنسنة الطبيعة". وهذا التأمّل ومحاولة التمثّل هذه، وإن لازمت الإنسان منذ بدأ يعي بذاته إلا أنّها اختلفت نوعيّتها عبر العصور. وقد تناسبت نوعية المعرفة في كلّ عصر مع طريقة تفكير معيّنة. كيف نظر البدائي للطبيعة؟ وما هي خصائص تفكيره المترتّبة عن هذا النظر؟ وما هي العوامل التي حكمت تصوّره للطبيعة؟

 عندما نضع الإنسان البدائي في مواجهة مع الطبيعة، يجب أن لا نغفل عن دور الغرائز في هذه العلاقة. فغريزة الأكل مثلا دفعت الإنسان لافتكاك حاجياته من الطبيعة. وغريزة الجنس أجبرت الإنسان البدائي على مزيد استغلال الطبيعة بحكم ما ينجرّ عن ذلك من تكاثر. وقد انجرّ عن هذا الاستغلال أن الإنسان قد حاول تكييف الطبيعة لصالحه واستبدال الظروف الطبيعية القاسية المفروضة عليه بظروف مصطنعة يريدها. من هنا نستطيع أن نستنتج أن هذه الغرائز التي تحتاج للتلبية المادية (كالغذاء مثلا) قد خدمت الإنسان فعلا لأنّها دفعته للعمل ولا يخفى علينا ما للعمل من أهمّية في بناء الحضارة. ولكن هذا التوجّه من الإنسان إلى الطبيعة المتمثّل في البحث عن الغذاء أشعر الإنسان بقوّى الطبيعة. بهذا الشعور أدرك الإنسان أن لهذه القوّى فاعلية كبرى عليه وأنّها تهدّد وجوده وتجلّى له ذلك خاصّة في ظاهرة الموت. وهذه الظاهرة لها دلالة هامّة في حياته. فالموت هو حجّة واقعية وبرهان على سلطة هذه القوّى على الإنسان. لم يأخذ الإنسان البدائي الظواهر الطبيعية على أنّها ظواهر معزولة عن كيانه بل نظر إليها على أنّها تدبّر حياته وأنها تراقبه. هكذا تشكّل للإنسان البدائي موقف من الطبيعة: الطبيعة قوّة. وهذا الموقف هو في حدّ ذاته موقف من نفسه. فهو دليل على شعوره بعجز المقاومة والخوف على وجوده. ولكن هل يرضى الإنسان البدائي بهذا الوضع وهو"ابن الطبيعة الثائر"؟

 إن هذا التناقض بين ضعف الإنسان البدائي من جهة وقوة الطبيعة من جهة أخرى، دفعه لمحاولة السيطرة عليها وتمثّل ذلك في سعيه لإدراك كنهها، إذ أنّ التعرّف عليها هو امتلاك لها أو سيطرة معرفية عليها. ولكن تفسير الظواهر لا يمكن أن يتجاوز كينونة الإنسان وموقفه من نفسه. فهو لم ينطلق من الطبيعة لمعرفتها وإنّما انطلق من ذاته ليفهمها (أي يفهم الطبيعة). كان همّ البدائي منحصرا في وجوده. فلم يول أهمّية لمعرفة الطبيعة وإنّما همّه هو اتّقاء شرّها والسيطرة عليها. لم يكن الإنسان البدائي ينظر للطبيعة على أنّها موضوع يعرف. وإنّما كان ينظر إليها على أنّها قوّة يخاف منها. فالرغبة في السيطرة على الطبيعة إلى جانب محدودية تجربة الإنسان البدائي يمثّلان سببين رئيسيين في انحراف البدائي عن الموضوعية وفي إرساء ركائز التفكير اللاواقعي. ذلك أن هذا المطلب يحدّد من المنطلق حاجة البدائي في علاقته بالطبيعة والمتمثّلة في تقنية لا علم. فتصوّرات الإنسان البدائي للطبيعة يمكن اعتبارها تقنية نظرية. فحكم البدائي على الطبيعة تتحكّم فيه نوازعه الذاتية، وقوله في الطبيعة هو بالدرجة الأولى قول في نفسه. فهو لا يعرف الطبيعة وإنّما يفهم ذاته. ولكنّه لا يدرك أن ذاته هي التي تسبّب نظره للطبيعة. من هنا كانت التصوّرات البدائية لا تتأسس على النوازع الذاتية فحسب ولكن تتأسس أيضا على انعدام الوعي بذلك. وكلّ حكم على الواقع تسبّبه الذات هو لا شكّ لاواقعي لأنّه لا يقدّم الواقع. ويمثّل وعيه بذاته كفكر وهمي لاواقعي، شرط معرفة الطبيعة. وهو لا يزعم محايثة الواقع إلاّ لأنّه لا يعي بذاته كفكر لاواقعي. وعندما نقول أن محايثة الفكر البدائي للواقع هو مجرّد زعم فذلك لأنّنا نسجّل تناقضا بين الواقع المادي والواقع المعروف. بل أكثر من ذلك فإنّه يصعب أن نتحدّث عن انعكاس وهمي للواقع في ذهن البدائي. لأنّ هذا الانعكاس الوهمي يجب أن يكون مبنيا على توجّه للواقع غايته المعرفة ويكون الخطأ متأتي من انعدام الوسائل الفعّالة لاكتساب الحقيقة العلمية وهذا ما لم يحصل. وعلى العموم لا يخرج حصول الانعكاس الوهمي عن طرفين هما: الإنسان -من حيث هو فكر موضوعي- والطبيعة. أمّا علاقة البدائي بالطبيعة فلا نجد فيها حبّ المعرفة وإنّما حبّ السيطرة. وبالتالي لا يجوز أن نتحدّث عن وسائل معرفة غير فعّالة. كما أن الوجدان لعب دورا كبيرا في تكييف هذه النظرة. تتجلّى النزعة الذاتية في موقف البدائي من الطبيعة في إشاعة الأرواح فيها. فقياسا على نفسه ونظرا لأنّه علّة أفعاله تصوّر أن الظواهر الطبيعية لها عللا تحرّكها وتغيّرها. وهذه المشابهة وطيدة جدّا أوّلا لأنّ علّة الحركة في الجسم نسمّيها الروح وهي نفس التسمية التي نطلقها على علل الظواهر الطبيعية أي الأرواح وثانيا لأن هذه الأرواح محايثة للظواهر المادية محايثة الرّوح للجسد. فهناك عملية إسقاط. فالإنسان البدائي بحكم نزعته الذاتية وجهله للطبيعة أضفى على الطبيعة حالاته النفسية باعتبار أنّه يعتقد أن الرّوح هي علّة هذه الحالات النفسية وأن للظواهر الطبيعية أرواحا. إن إشاعة الأرواح في الطبيعة والنظر إليها على أنّها كائن واع لا مادّة وبالتالي إقامة علاقة تشابه بين الإنسان والطبيعة هو الذي نسمّيه تفكيرا تشبيهياanthropomorphisme . ولا يخفى علينا أن هذه النزعة التشبيهية مبنية على النزعة الذاتية. هكذا ننتهي إلى ماهية الطبيعة عند البدائي: جملة أرواح تتكشّف في مظاهر مادّية. وكلّ تفكير مبني على هذا الاعتقاد يسمّى تفكيرا إحيائيا animisme. ومن نتائجه أن المادّة هي" ثوب" للرّوح. فحركة الظواهر الطبيعية هي لغة الأرواح التي تخاطب بها الإنسان. فالجوهر الحقيقي للوجود هو الرّوح أمّا المادة فعرض. وعلى العموم فدورها هو أن تكشف عن مزاج الروح. وما يوجد في الطبيعة هو آيات نطالع فيها عظمة الرّوح والذي سمّى في ما بعد بالإله. فعجائب الكون هي "البصمات الإلهية" على الطبيعة. وهكذا ينقسم العالم الواقعي في ذهن البدائي إلى عالمين: عالم حقيقي وجوهري هو العالم الرّوحاني اللامرئي وعالم عرضي هامشي ثانوي هو العالم المادّي المرئي. وتقرّ الأديان التوحيدية وبعض الفلسفات المثالية (الأفلاطونية مثلا) بهذين العالمين ممّا يدلّ على مدى علاقتهما بالفكر السابق. طبعا عندما نحاول أن نفهم هذه الثنائية الواقعية نجد أنها تنبني على القول بثنائية الرّوح والجسد في الإنسان وكما تتناسب الرّوح مع العالم الرّوحاني يتناسب الجسد مع العالم المادّي. فإذا اعتبرنا أن الثنائية التي يقوم عليها الإنسان هي التي ولّدت الثنائية الواقعية، تأكّد لدينا أن هذه النزعة الإحيائية تنبني على النزعة التشبيهية. فدور الذات في إيجاد الرّوح في الطبيعة واضح وجليّ. وطالما أن الأمر كذلك فلا يمكن أن نسلّم أن النزعة الإحيائية تعكس الواقع. ومن هنا فكلّ تفكير ينبني على هذه النزعة هو بالضرورة لاواقعي. ويمكن تقرير هذه اللاواقعية في النزعة الإحيائية من جانب آخر. فالاعتقاد في وجود أرواح في الطبيعة يعني –بحكم أن الفكر والإرادة من مظاهر الرّوح- أن الفكر البدائي لا يعتقد أنّه الوحيد في الطبيعة بل هناك فكر الكائنات العلوية فيها. وما يحصل في الطبيعة من أحداث هو تعبير عن مزاج هذه الكائنات العلوية. وهذا يعني في نهاية المطاف أن الطبيعة لا تخضع لنظام داخلي وإنما لإرادة الأرواح أو الآلهة أو الأبطال كما نجد ذلك في الأساطير. فالبدائي لا يعرف أن الطبيعة منظّمة و أن ما يحدث فيها هو بفعل تفاعل حتمي بين الظواهر هناك تدخّل روحاني في الطبيعة يفرقع وحدتها فتغدو الطبيعة في ذهن البدائي مجموعة ظواهر منفصلة عن بعضها البعض كاستقلال البشر عن بعضهم البعض. وباعتبار أن ما يحدث في الطبيعة يتوقف على رغبة الأرواح، فليس بالضرورة أن الحدث سيتكرّر. فالمسألة إرادية ويمكن أن تمتدّ هذه الفاعلية إلى درجة إحداث المعجزات. كيف لا وهي التي تحرّك الطبيعة. فتصوّرات البدائي حول الطبيعة هي عبارة عن أساطير تحكي فاعلية الأبطال والآلهة من خلال الحدث الطبيعي.  فلكلّ حادثة أسطورة. من هنا يتّضح لدينا أن الأسطورة قصّة لاواقعية لأنّ الواقع المادي يسوده النظام لا المعجزات. كما أن الطبيعة هي مادّة لا روح فيها ولكن البدائي لا يجهل ذلك فحسب بل يجهل أنّه يجهل. فهو يأخذ مضمون الأسطورة على أنّه الواقع وهو بذلك يأخذ الواقع المادّي على أنّه الواقع في الأسطورة، ولا يعي بالتناقض بينهما كما لا يعي أن هذا الواقع المتحدّث عنه في الأسطورة هو الواقع المادّي ولكنّه مشوّه. وهذا يعني أن علاقة البدائي بالطبيعة لا تقوم على أساس اكتساب قوانين علمية منها وإنّما على أساس إلغائها واستبدالها بواقع وهمي من صنعه. والأهمّ من ذلك أن هذا الموقف الإحيائي تجاه الطبيعة –بحكم الغاية التي تحكمه وهي السيطرة على الطبيعة- هو في خدمة الوجود الإنساني أي الرغبة في القضاء الفعلي على بعض الصعوبات التي تعترض الإنسان. أي أن هذا الموقف سوف يبني عليه عمل يستفيد منه الإنسان. من هنا نكتشف أن الموقف البدائي من الطبيعة هو موقف "متسرّع" ولغايات أهمّ. كيف تُستغلّ هذه النزعة الإحيائية في السيطرة على الطبيعة؟

  باعتبار أن الطبيعة تسكنها أرواح وما الظواهر المادية إلا كشف لهذه الأرواح أو باعتبار أن ما يصيب الإنسان هو الظواهر المادية الفعلية فإن إبعاد هذه المصائب يتوقف على الأرواح لهذا لا بدّ من التضرّع لهذه الأرواح قصد الإبقاء على الإنسان وإبعاد المصائب عنه. ويظهر التضرّع والرّجاء في القيام بالصلوات وتقديم القرابين والأضاحي ومخاطبة الأرواح. هذه العلاقة بين الإنسان والأرواح غير متكافئة. فمن جهة نجد العابد الخاضع، ومن جهة أخرى المعبود الذي نخضع له. فبماذا تعود هذه العبادة على الإنسان؟

 تعود عليه بالغاية التي من أجلها تعبّد. فبالتقرّب للأرواح يقع التأثير في الطبيعة والمجتمع فيقع إبعاد الكوارث الطبيعية كالجفاف والزلازل والبراكين وغيرها وكذلك إبعاد المصائب التي يسبّبها الإنسان للإنسان كالحروب والاستعباد والاستغلال وعموما القهر بجميع أشكاله. مجموعة الأعمال والأقوال التي يعتقد البدائي أنّه بها يؤثر على الموجودات والظواهر باستخدام القوّى الخفية (الأرواح) هو الذي يسمّى السحر. فالسحر لا يظهر إلا كممارسة مشروطة بغاية. وكمثال على الممارسة السحرية يُعتقد في بعض الأوساط الريفية أن هناك أمراضا ناتجة عن "الإصابة بالعين" يسبّبها بعض الأشخاص خاصّة العور منهم. يعتقد أن لهؤلاء قدرة خفية على إنزال المرض بالغير بمجرّد تحديق النظر فيه. ولإزالة "الإصابة بالعين"هناك ممارسة سحرية تتمثّل في أن يأخذ شخص آخر قليل من الملح في قبضة يده و يمرّرها على كامل جسم المريض مع قول بعض الجمل. والواقع لم يخلُ مجتمع في يوم ما من الممارسات السحرية. ففي كل عصر هناك تعساء يلتجئون إلى السحرة فيبتزّونهم بالحيلة و يبيعون لهم الآمال الخاوية. و إحقاقا للحق فحتّى الصلوات وذبح الأضاحي...هي ممارسات سحرية بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة طالما أنّها موجّهة للروح العليا قصد إبعاد الشر و جلب الخير.     ممّا لا شكّ فيه أنّه لا توجد علاقة منطقية بين الوسيلة والغاية. فالإنسان الذي يعجز عن إحداث الظاهرة مباشرة(الشفاء، الغنى، السعادة...)  يلجئ إلى إحداثها بطريقة غير مباشرة أي بعمل يقدر عليه. فالنتيجة تتحقّق في ذهنه لا في الواقع. من هنا فإن السحر في الحضارة البدائية (في جانب المعرفة وكذلك الفعل) لا تخدم البدائي حقيقة –طالما أنّها وهمية- ولكنّها تخدمه حقيقة من حيث عدم وعيه بأنّها وهمية أي أن الحكم عليها بأنّها وهمية ليس هو حكم البدائي على حضارته ولو وعى بوهميّة تقنيته لتخلّى عنها. هذا يعني أنّه في ظنّه هو، هو على الحقيقة وهذا عامل نفسي هام من حيث أنّه ساعد البدائي على مواجهة الطبيعة. لو قلت للشخص المتدين اليوم أن الشعائر الدينية التي يقوم بها، ينطبق عليها معنى الممارسة السحرية وأن انتصاراته وهمية لثارت ثائرته. ولكن هل يغير هذا الواقع؟ طبعا لا. يجب أن نصبح نحن بدائيين حتى تحكم علينا الأجيال القادمة أننا كنّا كذلك، تماما كما نفعل نحن اليوم مع من سبقنا.

               

 





                             
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top