13. وطأة الزمن

ECRITS
0
                                                                   

 حسن الولهازي (تونس)

  
          وطأة الزمــــــن

     واحسرتاه على الشباب ! ها أنا في السبعين من عمري أقبع في ركن من أركان البيت كمن شلّت رجلاه. وكنت قبل ذلك أستاذا بارزا في كلية الآداب. كنت أقضي يومي في نشاط دائم بين قاعات التدريس وقاعة الأساتذة ومكتبة الكلية. أمّا اليوم فيصادف أن لا أبرح المنزل يوما بكامله. فما يربطني بالعالم الخارجي هو جهاز الهاتف هذا. وقد لاحظت أنني أطلب الناّس أكثر ممّا يطلبونني حتّى أنّني أشعر أحيانا أنّني أتطفّل على حياتهم. لا أنكر أنني أشتكي من الوحدة. الزوجة توفيت عليها رحمة الله والأبناء انتهجوا حياة خاصة بهم والأصدقاء مشغولون بمناصبهم. ولكن ما يثقل كاهلي فعلا هو تدهور حالتي الصحية. فالمفاصل تحجّرت بسبب البرد والقلب ازدادت دقّاته بسبب ارتفاع ضغط الدم والعين لا تكاد تبصر رغم سمك عدسة النظّارة الطبية التي أحملها. وضعيتي هذه جعلتني أكتشف أن وطأة الزمن على الإنسان أشدّ من ظلم الغير له. لو أنّ شخصا ما أضرّ بعيني وسبّب لي ضعفا في الرؤية لثارت ثائرتي ولإشتكيته للقضاء. ولكن ماذا نفعل تجاه الزمن؟ هل نحاكمه؟ ولنفترض أن هذه الأسطر وغيرها التي تفضح فعله هي عين القضية والمحاكمة. ولنفترض أننا أصدرنا على الزمن حكما بأنّه قاهر لا يرحم، فكيف نعاقبه؟ هل نقدر أن نعدم الزمن أو حتّى نسجنه؟
   لقد اجتمعت علي قسوة الزمن وجفوة النّاس فأصبحت منهوكا ووحيدا. لو كنت شخصا عظيما، لو كنت من أولائك الذين يقال عنهم أنّهم خالدون لما لاقيت هذا المصير. فلا شكّ أن الدولة ستحيطني برعايتها والمنظّمات ستتهافت على تكريمي والصحافيون سيلهثون وراء الظفر بحوار معي وهكذا أسخر من الزمن قبل أن يسخر منّي ولكن ماذا أفعل الآن وقد ولّى الشباب وليس لي الوقت الكافي لأصنع عظمتي؟ رحمتك يا ربّ أشعر بالضياع.
Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top