حسن الولهازي (تونس)
السبيل إلى الخلود في المجتمع العلماني
إن أساس
الثقافة المعاصرة هو العلم. ومن تأثيرات العلم أنّه مكّن الإنسان من تقنية أشعرته
بقوّته تجاه الطبيعة، كما أضعفت شعوره الديني وحدّت من سلطة الإله. فالعلم بشكل أو بآخر حدّ من سلطة من الدين. ولكن إن حدّ من سلطة الدين
فإنّه لم يلغ السؤال الميتافيزيقي. من هنا جاءت أزمة الإنسان المعاصر. فهو يطرح
أسئلة لا تجيب عنها إلا الثقافة الدينية ولكنّه في قرارة نفسه لا يؤمن بهذه
الثقافة مثال ذلك أنّك تسأل من خلق الكون؟ فيقال لك أن الله لم يلد ولم يولد
وبإختصار هو خالق لم يُخلق. هذه الإجابة كانت تقنع القدامى، لكنّها اليوم لم تعد
تقنع الإنسان المعاصر بإستثاء البعض.
هل أن الإنسان المعاصر مرتاح لوضعية الإلحاد هذه؟ الواقع
أنّها وضعية مأسوية مفروضة عليه، إذ أن إنعدام وجود الإله معناه أن الإنسان وحيد
في الكون، وبالتالي فإن العظمة التي إكتسبها من العلم لا قيمة لها لأن الذي يهمّ
الإنسان ليس فقظ أن يكون عظيما في عين نفسه بل عظيما في عين الإله. فهو كالعبد
المطيع الذي كلّ همّه هو رضاء سيّده عليه وحمايته له. هناك ميل إنساني للعبودية
مفروض من طبيعة الوجود الإنساني ومستمدّ من إدراك الإنسان لمحوديته وتفاهته ووحدته
في هذا العالم.
ولإدراك هذه القيمة الزائفة للإنسان المعاصر تخيّل أيّها
القارئ الكريم أن طاعونا إنتشر بسرعة قصوى في العالم وأدّى إلى وفاة كل سكّان
المعمورة إلا أنت، بحيث وجدت نفسك فجأة تملك الكرة الأرضية بما فيها من ذهب وقصور
وأموال وشطوط وبحار وطائرات وسيّارات...كل ّ ما هو على وجه البيسطة ملكك. تخيّل أن
ذلك حصل، فماذا سيكون شعورك؟ ألا تشعر بأن هذه القيمة المتأتية من كونك ملك أو
سلطان هذا العالم هي قيمة زائفة طالما أنّك لن تجد من تبرهن له على هذه السلطة؟
ألا ينتابك الحزن وأنت تعلم أنّك بوفاتك سوف تندثر سلالة البشر؟ من أجل من توجد؟
ولمن تملك؟ ولمن تبني الحضارة؟ وسواء عشت بعد البشرية يوما أو شهرا أو سنة فما هو
الفرق؟
هذه الفرضية مفيدة في فهم وضعية الإنسان المعاصر بعد موت
الإله من الضمائر والعقول. بموت الإله شعر الإنسان بغربته ووحدته في هذا العالم.
بموت الإله لم يعد للوجود الإنساني قيمة أو معنى. فمن أجل من يوجد بعد موت سيّده؟
قد نقول سيوجد من أجل نفسه، أي يوجد من أجل تحقيق
حاجياته المادية والمعنوية. لكن هذه النوعية من الوجود لا ترضي الإنسان لأنّها
بشكل أو بآخر لا تتعدّى الوجود الحيواني. حتّى التفكير نفسه موظّف لخدمة شهواته
المادية. الوجود الذي يبحث عنه الإنسان المعاصر صاحب الثقافة العلمية هو الوجود
المعنوي الصرف، أي ذلك الوجود الذي للرّوح، كالوجود الذي ينسب للإله. فميزة هذا
الوجود أنّه وجود لا يبلى بفعل الزمن لا يطرأ عليه تغيّر أو إندثار. هو وجود خالد.
هذا هوالوجود الذي يستحقّ بالفعل أن نصفه بالوجود الحقيقي. إن الإنسان المتطوّر الوعي لا يمكن أن تحلو له حياته طالما أنّه يعي أن
الفناء ينتظره وكأنّه لم يوجد أصلا. ما نريد قوله هو أن إنكار وجود الإله معناه أن
يحرم الإنسان من الخلود ويموت موت البهيمة.
ولسائل أن يسأل
وهل كان الدين يقف حاجزا بين الإنسان والفناء؟ ألم يكن الإنسان يشعر في إطار
الثقافة الدينية أنّه عبد مخلوق ضعيف وفان؟
لم يكن الدين
حاجزا بين الإنسان والموت ولكنّه كان حاجزا بين الإنسان والشعور بالفناء. لا يعتقد
المتديّن أن في موته إندثاره الأبدي لأنّه يعتقد أن بعد الموت هناك انبعاث لحياة
جديدة. هذه الحياة الدنيا هي المقدّمة أو الأساس الذي تتوقّف عليه الحياة الأبدية
أي الخلود في النعيم أو الجحيم.
أضف إلى ذلك فطالما أن هنالك إلها فإن الإنسان حيّ في
ذاكرة الإله. فحتّى قبل انبعاث يوم الحساب فإن الميّت موجود في ذهن الله بل هناك
من يعتقد أن روحه تلتحق بالرّفيق الأعلى. قد يندثر من ذاكرة الآخرين لكن لا يندثر
من ذهن الله.
كلّ هذه
الإعتبارات مع ما يلحقها من راحة نفسية لا توجد مع الإلحاد. فلا حياة بعد الموت
ولا إله يحفظ روح الميّت من الفناء.
ما هو الحلّ هذه المعضلة؟ كيف للملحد أن يظفر بالخلود
وهو خلود لا يمنحه إلا الإله؟ إذا ألغي الإله فمن سيدرك الإنسان بإستمرار
ويحفظ ذكراه من الإندثار؟
في العادة يستمد
ّ الفرد في شبابه قيمته من وعيه بذاته، يبدو مكتفيا بذاته وليس في حاجة للغير،
ولكن عندما يكبر ويشعر أنّه اقترب من القبر يصاب بالوهن ويشعر بقيمة الإله والآخر
لأنّهما هما اللّذان سيحفظان ذكراه من الإندثار. لذلك عادة ما ينهي حياته متعبّدا
ذليلا للإله وللآخرين. لكن هذا النمط من الحياة هو نمط حياة الفرد في الثقافة
الدينية.
في وقتنا الحاضر
وفي إطار الثقافة العلمية ليس أمام الفرد إلاّ أن يعوّل على وعي الآخر، وهذا ما
يجعل علاقة الحبّ في زمننا تحتلّ مكانة هامّة في حياتنا لأنّها ليست مجرّد إقتران
بين شخصين بل تأسيس لوجود فكري للإنسان. نفس التأسيس أو البقاء المعنوي يحصل عليه
الفرد بإنجاب الأبناء. لكن هذا الحلّ محدود القيمة لأنّ الأفراد الذين نعوّل عليهم
في انقاذنا من الفناء، هم أنفسهم معرّضون للفناء. فمن منّا يعرف جدّه التاسع
أوالعاشر؟ وجهلك لجدّك العاشر سيقابله جهل حفيدك العاشر لك. إذا كيف نظفر بالخلود
رغم إنعدام وجود اللإله بما يلحقه من غياب
الحساب والعقاب؟
ليس أمام الفرد –والحالة هذه- إلا أن يعوّل على
الإنسانية. فالإنسانية هي التي تخلّد الفرد وتنقذه من الفناء, ولكن الإنسانية لا
تخلّد من هبّ ودبّ، فهي لا تخلّد إلاّ من ضحّى بحياته في خدمتها. فالذي يقدّم
خدمات جليلة للإنسانية تكرمه الإنسانية بأن تحفظ ذكراه من النسيان. فما قدّمه
أفلاطون في مجال الفلسفة، وما قدّمه باستور في مجال الطبّ، وما قدّمه آينشتاين في
مجال الفيزياء، وما قدمه نجيب محفوظ في مجال الأدب... يجعل الإنسانية تعتبرهم عباقرة خالدين، فتطلق أسماءهم على المؤسسات
العمومية، وتذكّر بخصالهم في مناسبات ولادتهم ووفاتهم. هذا الدور الذي أصبحت تقوم
به الإنسانية في إطار الثقافة العلمانية –وهو إضفاء الخلود- هو نفس الدور الذي كان
يقوم به الإله في الثقافة الدينية. لكن الفرق بين الثقافتين هو أن النجاح في
الثقافة الدينية متأتي من الورع والعبادة بينما في الثقافة العلمانية متأتي من
تطويرالحضارة وخدمة الإنسانية.
ماذا ترتّب عن إنعدام الشعورالديني المترتّب بدوره عن
إنتشار الثقافة العلمية؟ قلنا إن النتيجة المباشرة لذلك هي أن الإنسان المعاصر
أدرك أن سبيله للخلود، ليس دخول الجنّة لأنّها لا توجد أصلا، وإنّما سبيله لذلك هو
خدمة الإنسانية.
فما هي تبعات
هذا التحوّل؟ كيف سيكون مستقبل الإنسانية في ظلّ إنعدام التديّن وانتشار الثقافة
العلمية والعقلانية؟
سيدرك الإنسان في المستقبل البعيد أن الإنسانية أهمّ
بكثير من أبنائه. سوف يدرك أن السبيل للخلود بإنجاب الأبناء هو أسلوب حيواني غريزي
وتافه لا يدلّ على عبقرية وإنّما يدلّ على عبودية للغرائز. وتبعا لهذا السلوك
سيكون إنسان المستقبل أنانيا إلى حدّ ما لأنّه سيفضّل مشاريعه وعمله وإنجازاته على
أبنائه وزوجته، ليس فقط لأنّهم يعرقلون عمله ويفرضون عليه الإهتمام بهم بل لأنّه
يدرك أن الوقت الذي يصرفه في الإهتمام بهم هو على حساب عبقريته ومجده وشهرته
وخلوده. لو ظلّ الممثّل عمر الشريف ينعم بالدفء بجانب فاتن حمامة لما كان ممثّلا
عالميا مشهورا. هل هي أنانية؟ هل هي قسوة منه على نفسه وعلى زوجته وركوب للصعب؟ لا
طبعا! وحسنا فعل.التاريخ لا يرحم. بدون ذلك قد تنعم بالسعادة لكن لا تنعم بالمجد
والخلود والخلود له ثمن كما قلنا. والآن نعرف سرّ نجاح بعض العباقرة الخالدين.
فهؤلاء قدّموا مجدهم وخلودهم على سعادة الحياة الزوجية، وحسنا فعلوا. من هؤلاء
نيتشه، كانط، سبينوزا، ديكارت، ميخائيل نعيمة، عبدالحليم حافظ،...وهناك من يتزوّج
ولا ينجب أبناء عمدا مثل جون بول سارتر.
هل هؤلاء محقّون
في توجّهم ذاك؟ لاشك أنّهم محقّون في ذلك. فأيّهما أفضل: أن يخدموا الإنسانية
بإختراعاتهم أم يضيفوا إلى الإنسانية أفواها جديدة جائعة؟ أيّهما أفضل الإنتاج
الفكري أم الإنتاج البيولوجي الحيواني؟
وبإختصار فإن الإنتاج البيولوجي كارثة على صاحبه وعلى
الإنسانية. كارثةعلى صاحبه لأن الأبناء يأخذون وقته وماله وتفكيره واهتمامه.
وكارثة على الإنسانية لأنّهم في حاجة للتعليم والعلاج و الشغل...
هل يعني ذلك أن
نقطع النسل ونتفرّغ للتطوير الحضارة، ولمن نطوّرها إذا إنتفت البشرية؟ لا يمكن أن
نقطع النسل ولكن يمكن أن نقلل من الإنجاب. ففي المجتمعات الأوروبية المتطوّرة وقع
التقليل من الإنجاب، وفي بعض الدوّل الأوروبية يسير عدد السكّان إلى النقص. على
نقيض ذلك نتحدّث في الدوّل المتخلّفة وخاصّة الأفريقية عن إنفجار سكّاني. فشتّان
بين مجتمع راق يبني الحضارة ويحصد جوائز نوبل وبين مجتمع يتنافس مع الحيوان في كثرة
الإنجاب. هذا يصرف وقته في التأمل وذاك يصرف وقته في النكاح. لا يمكن أن ننكر أن
من علامات التحضّر هو التقليل من الإنجاب لفائدة تطوير الحضارة. مرّة أخرى، هل
نقطع النسل؟ طبعا لا! ولكن نقلل من الإنجاب إلى الدرجة التي تمكنّنا من خدمة
الإنسانية والظفر بالخلود. ويبدو أن الإنسانية سوف تزهد في المستقبل في الإنجاب
لدرجة أنّه يصبح هناك خطر على البشرية من الفناء. إعتقادي الشخصي أن الإنجاب سيكون
في المستقبل البعيد عبئا وسوف تنشأ منظّمات للإضطلاع به. وقد تتكفّل مؤسسات طبية
بمهمّة الإنجاب خارج أرحام النساء، بحيث سيكون همّ الإنسان في المستقبل ليس
الإنجاب أبناء من صلبه وإنّما تواصل الإنسانية.
قد يرى البعض
خاصة من ذوي النزعة الدينية أن هذه التنبؤات هي محض خيال. وللردّ على هذا النقد
وفي نفس الوقت تدعيم هذه التنبّؤات هناك عامل ثان يجدر بنا ذكره.
العامل الثاني الذي سيجعل إنسان المستقبل يزهد في
الإنجاب ويعتبره عائقا يمنعه من تطوير الحضارة وكسب الخلود هوالتالي: نحن نعرف
جدودنا القريبين منّا. نعرف جدّا أو إثنين أو ثلاثة ولكن لا نعرف جدودنا القدامى.
ورغم أنّنا نقرّ بهذه الحقيقة فإنّنا لا نولي لها الأهمّية التي تستحقّها، لكن
إنسان المستقبل سوف يولي لهذه الحقيقة أهمّية كبيرة. ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أن
كلّ واحد منّا سوف يكون مجهولا من أحفاده تماما مثلما هو يجهل جدوده. إذا كان
الأمر كذلك، فأي أبناء وأي أحفاد هؤلاء الذين نضحّي من أجلهم ونجلب لهم الغالي
والنفيس ونحرم أنفسنا من أجلهم؟ بماذا سيفيدوننا في كسبنا للخلود وفي إنقاذنا من
الإنذثار؟ سوف نموت وندفن ويعودون هم إلى لهوهم ومجونهم هذا إن لم يهملونا في ركن
البيت في أواخر حياتنا.
ولتوضيح هذه الفكرة أقدّم هذه الفرضية: قد أتخاصم مع
جاري حول مساحة قطعة الأرض التي عليها منزليْنا. فهو يفتكّ منّي ليترك لأبنائه
وأنا أفتكّ منه لأترك لأبنائي وأشتكيه للقضاء وأصرف من مالي وأضحّي بوقتي لكسب
القضيّة وهو يفعل بالمثل. ما هي النتيحة؟ سأكون وأيّاه بعد سنين في المقبرة
مجهولين من أحفاده ومن أحفادي. أليست الإنسانية أرحب وأرحم من الأحفاد. الإنسانية
إذا خَدَمْتَهَا لا تتنكّر لك عكس الأبناء والأحفاد.
وممّا يولّد الحزن والحسرة معا أنّك تلاحظ في
بعض الأحيان بعض الآباء الذين لهم سمة العبقرية
ولكن يضحّون بأنفسهم في سبيل أبنائهم الذين تظهر عليهم علاما ت الغباء
الواضحة . ولكن ماذا يفعل الأب المسكين الذي تورّط في الإنجاب، سوى الصبر؟
نستنتج ممّا تقدّم أنّك كلّما وجدت التطوّر والوعي
الرّاقي وجدت التقليل من الإنجاب وخدمة الحضارة، وكلّما وجدت الفقر والجهل
والتخلّف وجدت كثرة الإنجاب. هذا يعمل من أجل الإنسانية ويظفر بالخلود وذاك يعمل
من أجل عائلته فيندثر.
خلاصة القول: السبيل إلى الخلود في المجتمع العلماني وفي
المستقبل لن يكون بالتديّن ولن يكون بالإنجاب وإنما يكون بخدمة الإنسانية. وفي ذلك
فليتنافس المتنافسون، بدون ذلك لن يرحم التاريخ لا المتعبّد ولا الفحل. وما يقال
على الرجل يقال على المرأة أيضا.