14. الجمعية

ECRITS
0
                                                                          

 حسن الولهازي (تونس)


الـجـمـعـيّـــة

  رنّ جرس الهاتف، تناول الدكتور عادل السمّاعة وقال:
ـ آلو...آلو...من معي؟
ـ هل معي الدكتور عادل سحنون؟
ـ نعم هو بعينه. من تكون سيادتك؟
ـ أنا... أنا...مواطن...
ـ لا تضيّع لي وقتي أرجوك... ما هو إسمك؟ ما هي هويّتك؟ ماذا تريد؟
ـ الحقيقة لا أعرف كيف أبدأ... الموضوع... الموضوع غريب نسبيّا. هل تفهمني؟
ـ وماذا قلت حتّى أفهمك؟ الموضوع غريب. وما هو هذا الموضوع الغريب؟
ـ يا دكتور هربت منّى الألفاظ الآن.
ـ طيّب مع السلامة.
ـ لحظة، لحظة يا دكتور إنتظر...
ـ نعم.
ـ سأرسل لك ما أريد قوله على بريدك الإلكتروني.
ـ هل سبق لك أن زرتني في العيادة؟
ـ لا يا دكتور أنا لست مريضا، ولكن أخذت رقم هاتفك وعنوان بريدك الإلكتروني من شهادة طبّية أسندتها سيادتك إلى صديق لي كان يعالج عندك. كان بودّي أن أقابلك وأبسط الموضوع أمامك وجها لوجه، ولكن عيادتك في العاصمة وأنا أسكن في الجنوب، وشواغلي لا تسمح لي بالتنقّل.
ـ لا بأس... لابأس... لا تنس أن تشير في رسالتك إلى هذه المحادثة التي تمّت بيني وبينك.
ـ طبعا طبعا يا دكتور... دمت بخير
ـ مع السلامة
 وضع الدكتور سمّاعة الهاتف وعاد إلى شغله وكأنّه لم يسمع شيئا فقد تعوّد على مثل هذه المكالمات من مرضاه ومن أصدقاء مرضاه. يطرحون عليه مشاكلهم النفسية. في بعض الأحيان لا تعدو المشكلة أن تكون خلافات عائلية. وحتّى في هذه الحالات لا يتأفّف المسكين ولا يثور عكس ذلك يقوم بدور المرشد الإجتماعي. فينصح ويواسي ويتدخّل لدى السّلط.
 من الغد وصلت الرّسالة. قرأ بعض الأسطر. توقف عن القراءة وشغّل الآلة الطابعة. طبع الرّسالة وتحوّل إلى مكتبه الثاني. إستوى على الكرسي وطلب من زوجته قهوة. شرع في قراءة الرّسالة بتمعّن.
                      حضرة الدكتور السلام عليكم
 أنا المواطن الذي كلّمتك في الهاتف يوم أمس، وقلت لك سأطرح عليك موضوعا غريبا. الحقيقة يا دكتور أن هناك مشكلا ظهر لي في البداية أنّه شخصي فلم أتجّرأ أن أعلم به أحدا، ولكن يإمعان النظر فيه لم أجد مسوّغا لإعتباره شخصيّا. لا شكّ أن هناك إعتبارات شخصية في إكتشافه ولكن يظلّ هذا المشكل من وجهة نظري مشكلا إنسانيا. فما هو هذا المشكل؟
 يعتبر الإنسان كائنا حيّا بالدرجة الأولى. أقول بالدرجة الأولى لأنه عضوية تتفاعل أعضاؤها في ما بينها وأيضا لأنّ عدّة أنشطة نفسية تتوقّف على نشاط هذه الأعضاء. وتبعا لذك يتوقّف الوعي وكلّ نشاط نفسي بموت الجسد. وموت الإنسان قد يكون بأشكال مختلفة، قد يكون موتا طبيعيا، وقد يكون بالإعدام، وقد يكون نتيجة حادث مرور أو سكتة قلبية.. طبعا إذا توفّي الشخص بسبب ضرر كبير في الأعضاء كما هو الحال في حوادث المرور القاتلة، فإن الميّت يكون أمره قد إنتهى. لكن هناك حالات أخرى يجب التوقّف عندها كثيرا. في هذه الحالات يموت الشخص فعلا ويتوقّف قلبه عن النبض، ويصدر الطبيب شهادة تقرّ بوفاته. بعد ذلك تشرع عائلة الميّت في إعداد مراسم الدفن، ولكن ويا لهول المفاجئة: يستيقظ. كيف حصل ذلك؟ هل هناك خلايا مازالت تعمل؟ هل مات الشخص حقّا وعادت له الحياة، أم أنّه لم يمت رغم ما يظهر عليه؟ لانعرف وقد يفسّر العلم ذلك يوما ما. الذي يهمّنا الآن هو أنّه إستيقظ.
  هل أن إمكانية اليقظة بعد الموت واردة؟ نعم بالنسبة لحالات معيّنة. صحيح أنّها نادرة ولكنّها موجودة. وقد حصلت يا دكتور عدّة حالات من هذا القبيل في مدينتي. هناك من إستيقظ  قبل الدفن بساعات، وهناك من إستمع زوّار المقابر إلى صياحه  في القبر. هل يعني ذلك أن هناك أشخاصا إستيقظوا في القبر ولم يقع التفطّن إليهم وماتوا إختناقا أو بفعل الجوع في القبر. هذا الأمر لا يحتمل أدنى شكّ عندي. إن أعظم مأساة يختم بها الإنسان حياته هي هذه الوضعية. فسوف يتمنّى الموت ولن يجده. سوف يأكله الدود قبل أن يموت. وحتى لو حاول الإنتحار فسيجد نفسه مجرّدا من كلّ وسيلة...وقد قرأت في إحدى المجلاّت العلمية أن الإنسان يمكن أن يظلّ جائعا مدّة أسابيع قبل الموت. تخيّل حالته إذا كانت كلّ لحظة تمرّ عليه هي عبارة عن دهر. ولا أخفي عليك يا دكتور فقد أردت أن أجرّب هذه الوضعية. فلي في المنزل صندوق كبير يشبه القبر ورثه جدّي عن أجداده. تمدّدت فيه في إحدى الليالي بعد أن أطفأت النور. ماذا أقول لك يا دكتور؟ ماذا أقول لك؟ إن كنت لا تعرف معنى الجحيم، فجرّب وستعرف ذلك...الجحيم بعينه. لهفي على من مرواّ بهذه الحالة قلبي يتمزّق من أجلهم... وخوفي على من سيتعرّض لها. ولأجل من سيأتي عليه الدور أكتب لك يا دكتور. أصبحت خائفا على نفسي وعلى أقربائي وعلى غيري...منذ أن أدركت هذه الفكرة فارقت البسمة وجهي. نومي سهاد، وكيف أهنأ بالنوم والأكل والشرب وأنا مهدّد؟ بدأت أشعر أن الإنسان وجد ليُنكّل به. وممّا أستغرب له أشدّ الإستغراب كيف أنّه لم يقع تداول هذا الموضوع في وسائل الإعلام والمؤسّسات المدنية رغم خطورته.
هل تظنّني يا دكتور مريضا أبحث عندك عن علاج؟ أمِنْ أجل هذا كتبت إليك؟ لا يا دكتور، أنا متأزّم نعم، ولكن لست مريضا. وأزمتي هذه أزمة إنسانية. توجّهت إليك أبحث حلّ وليس عن علاج. وإن شئت الدقّة أنا أبحث عن تقييم ومراجعة لحلّ أقترحه عليك. وهذا الحلّ هو التالي. من وجهة نظري لا بدّ من تكوين جمعية هدفها توعية الناس بهذا المشكل وسنّ قوانين تحمي الميّت من الدفن المتسرّع. فطالما أن العلم لم يصل بعد إلى الكمال، فلنتريّث في عمليّة الدفن أو نقضي على الميّت قضاء مبرما بشكل لا تعود إليه الحياة أبدا، كأن نحقنه بحقنة مسمومة، أو نحرق جثّته كعادة الهنود واليونانيين القدامى. وهي شعوب معروفة بالحكمة. وليت لنا هذه العادة. على العموم تفاصيل برنامج الجمعية سيحدّد لاحقا، ولكن أريد أن أعرف رأي سيادتك في هذا المشروع. قد تسألني لماذا ألتجئ إليك ولا أضطلع بهذا المشروع بنفسي؟ أقول لك بكلّ بساطة أنّني شخص بسيط ومغمور لا أصلح لمثل هذه المهمّات. نجاح هذه الجمعية في حاجة لشخصية لها إشعاعها ومكانتها في المجتمع  تتمتّع بالمصداقية والإحترام. وأنت وما شاء الله شهرتك وثقة الناس فيك ونشاطاتك المدنية والحقوقية لا تخفى على أحد، وتشجّع على الإنخراط في الجمعية متى دعوتَ لذاك.
تجدون في الأسفل رقم هاتفي وعنوان بريدي الإلكتروني. في إنتظار ردّكم تقبّلوا منّي سيّدي فائق الإحترام والسلام.
                                          محمد أمين رضوان
 دفع الدكتور الأوراق أمامه ونظر إلى السقف. ظلّ جامدا للحظات ثمّ نادى زوجته: أمينة أين القهوة؟ راحت الأفكار تتراقص في ذهنه. ما هذا؟ أيكون هذا الرّجل مريضا؟ وراح يردّد، جمعية... دفن الموتى... عذاب القبر... رجال الدين... تشريح أجساد أو حرقها... وراح يحصر الأطراف التي يمكن أن تتدخّل في هذا الموضوع فوجد السياسة والطبّ والدين. وفجأة إنتفض متسائلا قبل التساؤل عن العوائق التي يمكن أن تعترض تأسيس هذه الجمعية، هل تستحقّ هذه الجمعية أن تبعث أصلا؟ ما هي مهمّتها بالتحديد؟ ما هو الإسم الذي سنطلقه عليها؟ جمعية... جمعية... جمعية الدفاع عن الموتى...لا لا! جمعية علاج الموتي...لا! وإبتسم وهل سنعالج الميّت حتّى لا يموت وهو ميّت؟ هل سنصرف له الدواء؟ نسمّيها جمعية التثبّت من موت الميّت..لالا!هذا عنوان طويل وركيك. وتوقف قليلا ليلتفت إلى الرّواق: أمينة أين القهوة؟ ردّت عليه وهي متوجّهة إلى مكتبه: أنا قادمة. وضعت الفنجان على مكتبه وهمّت بالعودة ولكنّها توقّفت، حملقت في وجهه صامتة وكأنّ شيئا أدهشها وعقد لسانها. شعر بالحرج كمتّهم قبص عليه متلبّسا فقال لها:
ـ نعم ... ماذا هناك؟ ما بكِ؟ هل هناك شيء؟
ـ تسألني أنا ما بي... أنا الذي أسألك ما بكَ؟
ـ لاشيء، هل لاحظت شيئا؟
ـ نعم! شعرك مشوّش، وجهك ممتقع، نظرتك ذابلة، و...
ـ كفى! إذا إسترسلت في تعداد هذه الأوصاف فإنّها ستصيبني فعلا. إرهاق نتيجة العمل هذا كلّ ما في الأمر.
ـ أتمنّى ذلك
 خرجت من عنده لا تلوي على شيء. أمسك رأسه بين يديه، فتح ربطة عنقه وأخذ نفسا طويلا. وفجأة لمعت في ذهنه فكرة. المساعدة لا يجدها إلا عند صديقه الدكتور عبد المجيد. تناول الهاتف وطلب صديقه:
ـ آلو... عبد المجيد، معك عادل...
ـ أهلا يا عادل، خير إن شاء الله؟
ـ أريد أن أتحدث معك في أمر مهمّ.
ـ تفضّل
ـ لا ليس في الهاتف وليس الآن.
ـ فليكن غدا في المساء في المقهى.
ـ لا لا! المقهى ليس هو المكان المناسب لمناقشة الموضوع الذي سأحدّثك فيه. نتقابل غدا، في الحديقة العمومية الساعة الرّابعة مساء.
ـ إتّفقنا.
ـ تصبح على خير.
ـ مع السلامة.
 شعر الدكتور عادل أن هذه الرسالة أحدثت تغيّرا في حياته. شعر أنّه لم يعد هو. فتارة يرى أن هذه الرسالة سخيفة وغريبة وليس معنيّا بمضمونها، وتارة أخرى يرى أن إستخفافه هذا ليس إلا محاولة لإعادة طمأنية فقدت، أليس هو من بين الذين يمكن أن يدفنوا ويستيقظوا في القبر؟
 أصابه الأرق تلك الليلة، وقضى صباحه مهموما، وفي المساء تحوّل إلى الحديقة العمومية. وصل قبل الموعد بكثير. إبتاع قهوة من مقهى الحديقة وإنتحى جانبا يتأمّل الموجودين.
 كانت الحديقة تعجّ بالزائرين من مختلف الأعمار، وجوه مستبشرة، قهقهات عالية. وخلف جذوع الأشجار الهرمة قبلات حارّة وعناق...نظر إلى الجميع نظرة إزدراء.  وقال في سرّه: يا لهم من أغبياء! لا يعلمون ماذا ينتظرهم. ولكن إحقاقا للحقّ كم أتمنّى أن أكون مثلهم. إنّي أحسدهم على سعادتهم وجهلهم. اللعنة على تلك الرّسالة، لقد قلبت حياتي رأسا على عقب. كلّما حاولت نسيانها يتعمّق وعي بها. الجهل نعمة لا يدركها أصحابها. وبينما هو كذلك أقبل عليه الدكتور عبد المجيد مبتسما كعادته.
ـ السلام عليكم. خير إن شاء الله
ـ والله لا أعرف ماذا أقول لك يا عبد المجيد أقرأ هذه الرّسالة وبعد ذلك نتحدّث. شرع عبدالمجيد في قراءة الرّسالة وكان كلّما تقدّم في القراءة تتبدّل سحنته. كان عادل ينظر إليه أحيانا وأحيانا أخرى يرنو إلى صبيان يتمرّغون على عشب أخضر طريّ.
 فرغ عبدالمجيد من قراءة الرّسالة، ولكنّه ظلّ صامتا سأله عادل:
ـ ما بك لا تقول شيئا؟ هل صُدمت؟
ـ هي مفاجأة على كلّ حال. ولكن أجد أن الرّجل معه حقّ.
ـ يا عبد المجيد أنا بصراحة متردّد، فمن جهة أقول أن ما طرحه وارد، ومن جهة أخرى أقول إن هذا الموضوع سحيف يثير السخرية. تخيّل ردّ فعل وزارة الداخلية عندما نتقدّم بمطلب في إنشاء الجمعية. ألن يسخروا منّا؟
ـ لالا! صعوبات الإجراءات الإدارية لا يجب أن تعيق الجمعيّات الإنسانية  وتصدّها على تحقيق أهدافها النبيلة.
ـ  قبل الخوض في هذه المسائل الفرعية، علينا أن نناقش أوّلا جدوى هذه الجمعية.
ـ هدف الجمعية نبيل وسوف تنقذ عديد الحالات. أنا مع تأسيسها وأستغرب كيف أن الفكرة لم تتأتّى لذهني رغم أني سمعت بعديد الحالات التي تحدّث عنها صاحبنا.
ـ لماذا لا تكون هذه الفكرة فكرة مرضية؟ لماذا لا يكون صاحبنا يخاف خوفا مرضيا من الموت؟ أليس لهذا السبب وجّه رسالته إلى طبيب نفسي؟
ـ يا عادل! ياعادل! صحّة الرّجل لا تمسّ عبقرية الفكرة. أن يكون هذا الرّجل مريضا أوسليما فتلك قضيّة أخرى. يجب أن نناقش فكرة الجمعية ولا نناقش صحّة صاحبها. فإذا قال لك طفل صغير فكرة هامّة فهل ترفضها لأنّها جاءتك من صغير؟ طبعا لا! سأروي لك حادثة حصلت لصديق لي وهو طبيب نفسي في مستشفى حكومي. قال لي إنّه في أحد الأيّام لمّا أنهى عمله توجّه إلى سيّارته وكانت راسية بجانب حديقة المستشفى أين يتنزّه المرضى المقيمين. فماذا وجد؟ وجد أن إحدى عجلات سيّارته قد سرقت. إحتار الرّجل في أمره. كانت له عجلة إضافية لكن المشكل هو في توفير الصامولات. فالذي سرق العجلة سرقها بصامولاتها. فكيف سيشدّ العجلة إلى السيّارة؟ قال لي صديقي: صدمت ووقفت حائرا وطال وقوفي. ولمّا أنا كذلك أقبل عليّ أحد المرضى، يبدو من لباسه الخفيف أنّه من المقيمين في المستشفى. إقترب منّى وسألني ما بي.  قلت في نفسي وأنا في هذه الحالة لا ينقصني إلا الحديث مع المجانين. ولمّا لم أردّ عليه ألحّ في السؤال، فأضطررت لإجابته عساه يستريح ويريحني. تصوّر ماذا قال لي. قال لي خذ صامولة واحدة من كلّ عجلة من العجلات الثلاثة وشدّ بها عجلة الإحتياط إلى السيّارة. قال لي صديقي أنّه بقدر فرحه بالحلّّ بقدر حزنه على نفسه. لقد خاب طنّه في نفسه ولم يقبل كيف يعجز وهو الدكتور البارز عن التفطّن لحلّ وجده مريض نفسي بسهولة.
 سأل الدكتور عادل صديقه عبد المجيد:
ـ هل تريد من سرد هذه القصّة أن تقول لي أن الفكرة تعرف قيمتها بالنظر إليها في ذاتها بقطع النظر عن مصدرها.
ـ تماما هذا ما عنيته بالضبط ولذلك تعال نناقش صلوحية الفكرة بقطع النظر عن صحّة صاحبها.
ـ سبق أن قلت لك أنّ تكوين الجمعية فكرة صائبة، وأنا مستعدّ للإنخراط فيها.
ـ يا عبد المجيد. أقتعني بصوابها ولا تردّد أحكاما عامّة فوقية قد تكون جوفاء.
ـ في نظري المسألة بديهية ولاتحتاج لتبرير، ولكن طالما طلبت تبريرا لبداهة لا تراها، فهذا دليل على أن لنفسية الشخص دور في رؤية المسألة والحكم عليها.
ـ ماذا تقصد؟ هل تراني غبيّا؟ إستدعيتك لمساعدتي فأصبحت تهاجمني.
قهقه عبد المجيد وقال:
ـ لا أبدا! وإنّما أردت أن أقول إن تبسيطنا لمشكل ما أوتضيخمنا له أو التقليل من شأنه هو إنعكاس لشخصيتنا.
ـ ولماذا لا يكون حكمك على أنّ إنشاء هذه الجمعيّة هو فكرة هامّة، هو تعظيم لفكرة تافهة تراها أنت هامّة؟
ـ ولم لا؟ قد يكون. ولهذا السبب يعتبر النقاش مفيدا. فهو المحكّ الذي يبيّن البعد الذاتي أو الموضوعي للفكرة. ولنعد لموضوع الجمعية. أسألك هل يمكن لشخص أ أن يموت ويعود للحياة بعد لحظات أو ساعات أو يوم؟
ـ نعم هذا ما حصل مع البعض.
ـ إذا ماذا تريد أكثر من ذلك؟ ولعلمك أن هذه المشكلة إذا حصلت لي أو لك فإنّ زمن تدارك حلّها يكون قد فات. كلّ من يستهزأ بهذه الفكرة يبسّط الأمور لا لشيء إلاّ لأنّه حاليا حيّ وأن المشكلة تهمّ غيره ولا تهمّه هو. أكيد أنّها حصلت وستحصل ولكن من تحصل له لن يعود ليحدّثنا عن معاناته.
ـ ماذا أقول لك كلام مقنع. ولكن لنترك الأمر لله.
ـ ولماذا نتركه لله طالما أنّنا قادرون على تلافيه.
ـ طيب ماهي الإجراءات العملية الممكنة التي ستدعو إليها الجمعية إذا كُتب لها أن تتأسّس؟
ـ مثلا لا يُدفن أي شخص إلاّ بإذن بالدفن من طبيب ذي خبرة. أو أن أي شخص لا يدفن إلاّ بعد قضاء أيام بالمستشفى وهي مناسبة لإستغلال أعضائه. أو نُوجِد عادة حرق الأموات كما هو الحال في الهند أو على الأقلّ يتمّ ذلك بالنسبة لمن يوصي به.
ـ لا!لا! هذه الفكرة ستفتح علينا باب جهنّم.
ـ ماذا تقصد؟
ـ أقصد أنّها ستجعلنا في صراع مع المجتمع. أغلب النّاس يرفضون تشريح الميّت فما بالك بالحرق؟
ـ وإذا أوصى شخص قبل مماته بحرقه بعد الموت؟
ـ لا أعتقد أنّهم سينفّذون وصيّته حتّى ولو وافقوه على ذلك في حياته. أضف إلى ذلك فإن المتديّنين سيرفضون ذلك.
ـ ولماذا يرفضون ذلك وهل هناك آيات تحرّم حرق الميّت؟
ـ لا أعرف هل هناك آيات صريحة تحرّم ذلك أم لا. المعروف أن الله قبل يوم القيامة سيحي العظام وهي رميم. وهذا يقتضي أن تكون هناك قبور تحتوي حثثا.
ـ أوّلا أن يكون الأمر كذلك لا يعني أن الله دعا إليه شتّان بين أن يتحدّث الله عن شيء موجود وأن يدعو إلى إيجاده. ثمّ ما معنى يحي العظام وهي رميم؟ هل ستكون هناك عظام لإنسان ما قبل التاريخ حتّى ولو في شكل رميم؟ وما فرق بين الرماد والرميم؟
ـ على كلّ حال هذا حديث سابق لأوانه. عندما تتأسّس الجمعية، ستعدّل برامجها حسب مقتضيات الأحداث؟
ـ إذا هل ستقوم عمّا قريب بالإجراءات القانونية لتأسيس الجمعية.
ـ سأتّصل بصاحب الفكرة أوّلا وأعلمه بموافقتي ثمّ ننظر بعد ذلك في كلّ ما يلزم لتأسيس هذه الجمعية.
 إفترقنا وقد أوشكت الشمس على المغيب. كان عادل وهو يسوق سيّارته مشغولا بهذا الموضوع الذي سيقدم عليه. كان يقلّب الأمر من جميع النواحي وفجأة لمعت في ذهنه فكرة. ماذا لو يتوفّى قبل أن تتأسّس الجمعية فعليا؟ ما هي الإحتياطات المستعجلة اللازمة والممكنة؟ فكّر وأمعن في التفكير. لا بدّ من حلّ وفي أقرب الأوقات، بل الآن حالاّ.
 وصل الدكتور إلى البيت وبمجرّد أن تجاور عتبة الباب، نادى زوجته: أمينة... أمينة... جاءته مسرعة: ما بك؟ ماذا هناك؟
ـ أمينة أريد أن أصارحك بأمرهام جدّا.
ـ وما هو؟
ـ عندما أموت...
ـ يا فتّاح يا عليم يا رزّاق يا كريم
ـ أسكتي ولا تقاطعيني المسألة خطيرة ولا تحتمل هذا التطمين، قلت عندما أموت لا أدفن إلاّ بعد ثلاث إيّام، ثلاث أيام بلياليها. وإذا لاحظتم أن بقائي هذه المدّة  في المنزل سيسبّب هرجا وصياحا وعويلا إحملوني إلى المستشفى بدعوى الرغبة في تشريح الجثّة وتحديد سبب الوفاة وهناك أتركوني ثلاث أيّام وصرّحي للأطبّاء أنّهم بـإمكانهم أخذ الأعضاء التي يريدونها، بل أرجوك أن ترغّبيهم في ذلك.
ـ ولماذا تقبل أن يعملوا المشرط والمبضع في لحمك.
ـ لا! لا! ليس هناك مشكل البتّة، فلن أحسّ بشيء، ثمّ لماذا يأكلني الدود ولا يستنفع غيري بأعضائي؟ فعلى الأقلّ يكون لنا ثواب في آخر حياتنا.
ـ عن أي حياة تتحدّث؟ ستكون ميّتا في ذلك الوقت.
ـ هل ستعملين بوصيّتي؟
ـ ماذا أقول لك؟ لا أعرف، ثمّ إفترض أنّني متّ قبلك.
ـ عندئذ أحملك للتشريح.
و صاحت في وجهه:
ـ لاأأأأأأأ إيّاك أن تفعل.
ـ إهدئي أنا أصنع فيك معروفا.
ـ لا حول ولا قوّة إلا بالله... هل جننت يا رجل؟ تدفعني للمسلخ وتتحدّث عن معروف؟
ـ المعروف هو أنّني أنقذتك من خطر أعظم.
ـ خطر أعظم! أعظم من التشريح؟ وما هو يا ترى؟
ـ اليقظة في القبر.
ـ نعم!
ـ اليقظة في القبر.
ضربت كفا بكف وقالت:
ـ عليه العوض ومنه العوض... عليه العوض ومنه العوض.
ـ ألم تسمعي بأن هناك بعض الموتى يستيقضون قبل الدفن؟
ـ نعم. ولكنّها حالات نادرة جدّا.
ـ ها أنت إعترفت بنفسك أنّها موجودة.
ـ وهل إرتكبت جريمة بقولي هذا؟ طيّب وبعد.
ـ فمن أدراك أنّني أو أنّك لن تكوني من بين هذه الحالات النادرة؟ تكلّمي أيّتها الشجاعة. إعتبريني جبانا رعديدا. فماذا أنت فاعلة يا علّيسة؟ نعم هو إحتمال ضعيف ولكنّه خطير جدّا وخطورته تقتضي أن نأخذه مأخذ الجدّ.
ـ إذا حصلت لي هذه الحادثة، سأتقلم مع الوضع.
ـ هههه.... يا شيخة! تتأقلمين مع الوضع! هل أنت ستركبين البحر وتتأقلمين مع الأمواج أو ستركبين طائرة وتنزلين بمظلّة... ستكونين هناك تحت الأرض، سكون وإنتظار للموت... إنّه الجحيم. أفهمت؟ هناك يمرّ الوقت على صاحبه كما يمرّ على شحص يقطّع لحمه وهو حيّ.
ـ ماذا أقول لك نرجئ هذا النقاش إلى يوم الغد.
ـ أرجوك لا تذلّيني بحاجتي إليك يوم لا أقدر أن أدافع عن نفسي.
 وإبتسمت وقالت له: والله أجزم أنّك جبان. فردّ عليها: والله أجزم أنّك غبية وعلى العموم سأتفق مع صديقي عبد المجيد ولتذهبي أنت إلى الجحيم.
حسن الولهازي  
                   
       
        


Tags

Enregistrer un commentaire

0Commentaires

Please Select Embedded Mode To show the Comment System.*

To Top