"لا
تتعب نفسك في التفسير، فالاقتناع لن يحصل من الخطاب حتّى ولو كان حكيما."
من المفروض
أن الخطاب السّليم يتضمّن بداخله منطقا يجعله مقنعا للسّامع من قبيل واحد مع واحد
يساويان اثنيْن. لكن الخطاب في المسائل الحياتية ليس بمثل هذه البداهة والإقناع.
للأسف الشديد يبدو أن سبيل الإقناع في المسائل الحياتية يكون من خارج مضمون الخطاب
أي من عوامل خارجية تجعل للخطاب قيمة. ويمكن حصر هذه العوامل في نظري في اثنيْن:
1)- المضمون
الذي يحمله الخطاب تتحكّم في تفسيره وتأويله مصالح المتكلّم ومصالح السّامع. كلّ
واحد منهما يفسّره طبقا لمصلحته، لذلك لا يكون هناك اتفاق. مثال: يلقي صاحب المصنع
خطبة عصماء أمام عمّاله حول قيمة الانضباط وأهمّية الأمانة وفوائد الجدّية. ومن
ينكر صحّة ما يقول؟ ولكن يفهم العمّال خطابه على أنّه يريد أن يلهيهم أو يشغلهم عن
استغلاله لهم، وقد يكون معهم الحقّ. فالقيمة التي يمنحها المتحدّث لخطابه ليست هي
القيمة التي يمنحها السامع لنفس الخطاب.
2)- العامل
الثاني الذي يمكن أن يحدّد قيمة الخطاب، هو القيمة التي يمنحها السامع للشخص
المتحدّث. فإذا كان محدّثنا شخصا نعتبره ذا قيمة، فإنّ ما يقوله لنا نراه مقنعا،
هامّا ومفيدا حتّى ولو كان به شيء من السذاجة. على نقيض ذلك يمكن أن يقع رفض
الخطاب الهامّ والمفيد لا لشيء إلاّ لأنّه صدر عن شخص لا نعرف قيمته أولا نثق فيه
أو لا تعجبنا هيأته نظرا للباسه المتواضع. وويل لشخص حكيم ومتواضع يعايش مجموعة
جاهلة.
هل يعني هذا
أن الخطاب في المسائل الحياتية ليس مقنعا في حدّ ذاته؟ الواقع أنّه يمكن أن يكون
مقنعا ولكن تقبّله مشروط بأخلاق السامع ونوعية ثقافته. مثال: هل يحتاج إلغاء
الرّجم إلى تفسير مفصّل وخطب مطوّلة لبيان أنّه جريمة فضيعة ولاإنسانية ووحشية
بأتمّ معنى الكلمة؟ طبعا لا ولكن للأسف يرى فيه البعض معاني العدالة وربّما حتّى
الرّحمة.